مقدمة
تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 حزيران/ يونيو قراراً بإنشاء مؤسسة دولية مستقلة للكشف عن مصير المفقودين في سوريا، وأماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وأسرهم. وبموجب القرار فإن المؤسسة الجديدة ستكون معنية بالمفقودين السوريين وغير السوريين على الأرض السورية بشكل عام، وليست مخصصة للكشف عن مصير المختفين قسرياً فقط، وهي بذلك حيادية اتجاه أطراف الصراع السوري، ولا توجه أصابع اتهام لها، ومهمتها التواصل مع كافة الأطراف، وستكون نقطة موحدة لجمع ومقارنة البيانات المتعلقة بمصير المفقودين وأماكن وجودهم. كما حدد القرار فترة 80 يوماً بعد صدوره لصياغة اختصاصات المؤسسة الجديدة، من قبل الأمين العام للأمم المتحدة وبدعم من المفوضية السامية لحقوق الإنسان، على أن تعمل المؤسسة الجديدة على ضمان تمثيل عائلات الضحايا والمفقودين والناجين وأسرهم في سوريا خلال عملية تأسيسها وأثناء عملها. كما ستقوم بالتشاور بصورة مستمرة مع المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني.
شارك في صياغة مشروع القرار كل من لكسمبرغ وألبانيا وبلجيكا والرأس الأخضر وجمهورية الدومينيكان ومقدونيا، وصوت لصالحه 83 دولة، وضده 11 دولة، فيما امتنعت 62 دولة عن التصويت تتضمن جميع الدول العربية عدا الكويت وقطر اللتان صوتتا لصالح القرار. وشهدت جلسة التصويت نقاشاً بين ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة، تركز حول خطابين، يُمكن اعتبارهما انعكاس لسرديتين سوريّتين، كانتا ولاتزالا تتصارعان منذ 12 عاماً.
حاجج ممثلو الدول التي دعمت القرار، بأن وجود مثل هذه المؤسسة سيصب في صالح عملية المصالحة وبناء السلام المستدام في سوريا، بوصف ملف المفقودين والمختفين قسراً فيها يُعتبر أحد أكبر الملفات الإنسانية المرتبطة بالصراع، والتي لم تتخذ خطوات جدية بخصوصه طيلة السنوات الماضية. وهي حجة تستند إلى سردية أُسر المفقودين وروابط ضحايا الاختفاء القسري، والذين كان هذا القرار ثمرة نضالهم لسنوات. أما الحجة الأخرى، والتي قال بها ممثلو الدول التي صوتت ضد القرار، وهي جميعها حلفاء للنظام السوري؛ فهي أن سوريا لم تتم استشارتها في النقاشات السابقة للتصويت حول القرار، وأن القرار يعتبر تدخلاً في شؤون سوريا الداخلية. وهو ما يعكس حرفياً، الخطاب الرسمي السوري اتجاه المؤسسة، والذي يعتبر أن "الهدف الواضح من إنشائها هو التدخل مرة أخرى في شؤون سوريا، وممارسة المزيد من الضغط على شعبها"، الأمر الذي يمكن اعتباره امتداداً للسردية الرسمية حول ما جرى في سوريا طيلة العقد الماضي، باعتبارها "مؤامرة كونية".
وعليه تحاجج هذه الورقة من منظور التحليل البراغماتي، بأن قرار إنشاء مؤسسة دولية للكشف عن مصير المفقودين في سوريا، هو انتصار لسردية أُسر الضحايا والمفقودين، ومن خلفها السردية العامة للثورة السورية القائمة على أن ما حدث في سوريا، هو "ثورة شعبية على نظام ديكتاتوري متوحش". ويهدف للتأثير في السياسة العامة للإخفاء القسري، والتي اتبعتها أطراف الصراع في سوريا وعلى رأسهم النظام السوري طيلة الأعوام الماضية من الصراع، ويُساهم في تفنيد سرديته حول الصراع السوري، بأنه مؤامرة، وبالتالي، إنكار التعذيب والاختفاء القسري، والترويج أن المعتقلين لديه، هُم إرهابيون يتم التعامل معهم قانونياً، عبر مؤسسات الدولة المختصة. وللوصول إلى هدف الورقة سنتتبع مسار السرديتين خلال سنوات الصراع السوري، بدءً بعملية بناء الحجة وتكوين التحالفات الخطابية حولها، مروراً بالمعتركات التي تطورت عبرها، وصولاً إلى هيمنة سردية أُسر الضحايا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أولاً: الإخفاء القسري في سوريا كسياسة عامة:
لا يُشير قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة صراحة إلى الاختفاء القسري، ولكن إلى المفقودين، وهُم الأشخاص الذين لا يُعرف مصيرهم ومكان وجودهم لأسباب متعددة، بما في ذلك بسبب اختفائهم. وبذلك يكون المختفون قسراً لدى مختلف أطراف الصراع مشمولون ضمن المفهوم الواسع للمفقودين، والذين تُقدر الجهات الدولية عددهم بمائة ألف منذ بداية الصراع في سوريا. وهذا ما ينسجم مع تصريحات مندوبي الدول التي تقدمت بمشروع القرار للجمعية العامة، حول حيادية المؤسسة، وعدم توجيهها أصابع الاتهام لأي طرف، أملاً في تعاونهم مع المؤسسة، على اعتبار أن وصف المفقودين لا يحمل تبعات قانونية مثل الاختفاء القسري، والذي يعتبره نظام روما الأساسي جريمة ضد الإنسانية، تنطبق أركانها على جميع أطراف النزاع السوري، وعلى رأسهم الحكومة السورية. في حين تركز المنظمات الحقوقية ومراكز توثيق الانتهاكات الدولية والسورية منها على الاعتقال والإخفاء القسري، وما يتبعه من ملفات للمحاسبة، وهذا ما أثار نقاشاً مطولاً بين الحقوقيين السوريين وروابط الضحايا حول جدوى المؤسسة الجديدة، حُسم لصالح مركزية الضحايا وأُسرهم، وأولوية كشف المصير كمقدمة للعدالة والمحاسبة لاحقاً.
وبحسب الأرقام الموثقة لدى المنظمات الحقوقية السورية، وعلى رأسها الشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ فلايزال في سوريا ما يقارب 154398 شخصاً بينهم 5161 طفلاً و10159 سيدة قيد الاعتقال حتى آب 2022. منهم ما لا يقل عن 111907 شخصاً بينهم (3041 طفلاً و6642 سيدة) لا يزالون قيد الاختفاء القسري منذ آذار/ 2011 حتى آذار/ 2022 على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة سوريا. موزعون كما يلي: 95696 لدى قوات النظام السوري بينهم (2316 طفلاً و5734 سيدة)، و8684 شخصاً أُخفوا على يد تنظيم داعش بينهم (31 طفلاً و255 سيدة). كما تتحمل "هيئة تحرير الشام" مسؤولية الاختفاء القسري لـ 2071 بينهم (14 طفلاً و29 سيدة)، و2827 شخصاً بينهم (249 طفلاً و517 سيدة) لا يزالون قيد الاختفاء القسري لدى مختلف فصائل المعارضة المسلحة و"الجيش الوطني" منذ عام 2011 حتى الآن في جميع المناطق التي سيطرت عليها، و2629 شخصاً بينهم (143 طفلاً و107سيدة) لا يزالون قيد الاختفاء القسري لدى" قوات سوريا الديمقراطية".
يظهر من خلال أعداد المختفين قسرياً في سوريا، وتوزعهم على مختلف أطراف الصراع؛ مدى صعوبة عمل الآلية الدولية، وخصوصاً مع اعتمادها لمفهوم المفقودين الواسع، وذلك لناحية جمع البيانات من جهة، وتعاون كل طرف من الأطراف المعنية من جهة أخرى. وبالمقابل تعكس الأرقام مدى الحاجة لوجود مثل هذ المؤسسة؛ لما يمثله ملف المفقودين والمختفين قسراً ضمنهم، من كارثة إنسانية ترتبط بالضحايا ومن خلفهم أسرهم، على المستوى الإنساني، وعلى المستوى القانوني، إذ يرتبط الملف بتبعات قانونية على أُسر المفقودين منها: تسجيل الوفيات، والملكية، والأوراق الثبوتية وغيرها الكثير. إضافة لذلك، فإن أعداد المختفين قسراً، ولا سيّما لدى الحكومة السورية، لا يدع مجالاً للشك، بأن الاعتقال والإخفاء القسري هما سياسة عامة ومنهجية تتبع من قبل أطراف الصراع بقصد إرهاب الخصوم والمناوئين بحسب مناطق السيطرة، وبالتالي فهي جريمة حرب مكتملة الأركان القانونية، بحسب توصيفها الدولي. وسنوصف ملامح تلك السياسة لدى كل طرف من الأطراف فيما يلي:
الحكومة السورية (نظام المسالخ البشرية):
منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا، بدأت الحكومة باستخدام العنف في مواجهة التظاهرات السلمية، وكان الاعتقال والتعذيب من أهم أسلحتها التي استخدمت بغرض إرهاب المتظاهرين وإخماد الحراك. فقد كانت التظاهرات السلمية تواجه بالمئات من عناصر الأفرع الأمنية، والذين يقومون بإطلاق الرصاص الحي مباشرة على المتظاهرين، بهدف تفريقهم أولاً، واعتقالهم بشكل جماعي وعشوائي ثانياً، إضافة لاعتقال منظم للناشطين، والمعارضين، وكل من يُعبّر عن موقف داعم للثورة. ثم ومع عسكرة الثورة، وخروج مناطق عن سيطرة الحكومة، أخذت الاعتقالات طابع العقاب الجماعي لتلك المناطق، سواء عبر ما يسمى بـ "الاقتحامات" لتلك المناطق التي ينفذها الجيش والمليشيات الداعمة له، وتشمل عمليات اعتقال جماعي لكل من تطاله أيديهم، بما فيهم النساء والأطفال، أو باعتقال على الهوية التي تنفذه الحواجز الأمنية في مناطق سيطرة الحكومة، لكل مَن ينتمي إلى مناطق خارجة عن سيطرتها، أو لعائلة معينة لها صلة بالثورة، أو حتى الطائفة أحياناً. وهذ ما جعل الرقم الأكبر للمفقودين في سوريا يُسجّل في السنوات الأولى للحراك، إذ بلغ عدد المختفين قسرياً لدى الحكومة السورية في العام 2015 ما يقارب 65 ألفاً.
تتم عمليات الاعتقال على يد الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية دون أي مرجعية قانونية، ودون تعريف بالجهة التي تقوم بالاعتقال، أو مكان الاعتقال، وهي بذلك أقرب لعملية "الخطف" للمواطنين. كما تُنكر أجهزة الأمن السورية وجود المعتقل لديها، ويتم عزله عن العالم دون أي حقوق قانونية أو صحية، وبذلك تتحول أكثر من 70% من حالات الاعتقال إلى حالات اختفاء قسري. ويتعرض المعتقلون لدى أجهزة الأمن السورية إلى عملية تعذيب ممنهج، وحرمان من الطعام والشراب والدواء، إضافة إلى الرعاية الطبية، مما يؤدي إلى آلاف الوفيات بينهم. كما تُنفذ في مراكز الاعتقال، ولا سيّما سجن صيدنايا سيء السمعة، عمليات إعدام جماعي خارج نطاق القانون، يعقبها عملية دفن في مقابر جماعية.
وفي إطار الآلية التي يتم فيها الاعتقال والإخفاء القسري لدى الحكومة السورية، يعاني ذوو المعتقلين من صعوبة في الحصول عل أي معلومة تتعلق بهم، فالقنوات الرسمية التي حددتها الحكومة غير مُجدية، وهي وزارة المصالحة الوطنية والتي تحولت إلى هيئة في العام 2018، ثم ألغيت في العام 2020، فروع الشرطة العسكرية والتي تزودها في بعض الحالات الأفرع الأمنية بأسماء المعتقلين لديها، فروع السجل المدني والتي يتم تزويدها بأسماء المتوفين من المعتقلين. أما مَن يحاول السؤال من أهالي المعتقلين لدى الأفرع الأمنية؛ فقد يتعرض أيضاً للاعتقال والإخفاء القسري، الأمر الذي لم يترك خياراً أمام ذوي الضحايا إلا التوجه إلى ما يُعرف "بالوسطاء" للحصول على المعلومات مقابل دفع رِشا تصل أحياناً إلى آلاف الدولارات، في عملية فساد ممنهجة تديرها أجهزة الأمن السورية.
تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):
منذ سيطرته على أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا (دير الزور، الرقة الحسكة)، استخدم تنظيم الدولة (داعش) الإخفاء القسري كسلاح لإرهاب معارضيه من المدنيين والعسكريين، وذلك من خلال حملات خطف واعتقال واسعة أثناء اجتياحه للمناطق، وخصوصاً تلك التي تتمتع بخصوصية دينية أو عرقية. حيث أنشأ التنظيم خلال فترة سيطرته ما لا يقل عن 54 مركز احتجاز معلن في شمال شرق سوريا، إضافة إلى عشرات المراكز السرية. ويشمل المفقودون في شمال شرق سوريا الرجال والنساء والأطفال؛ وأفراد من خلفيات عرقية ودينية مختلفة بما فيها العرب والأكراد والآشوريين والأيزيديين؛ وأفراد مرتبطين بمجموعات سياسية وعسكرية مختلفة بحسب جهات السيطرة التي تعاقبت على المنطقة، ومن جنسيات سورية وغير سورية. ويضاف إلى ملف المفقودين على يد (داعش) في شمال شرق سوريا، ملف مفقودي الحرب عليه، حيث أسفرت معارك التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" مع (داعش) عن مقتل أكثر من ألف مدني حسب ما أعلن عنه، ولا تزال رفات الكثير من القتلى على يد التحالف الدولي مفقودة، بحيث أن الجثث إما دفنت على عجل أو لم يتم دفنها على الإطلاق، ومن ثم اختفت.
ومنذ إعلان التحالف الدولي السيطرة على آخر معاقل التنظيم في العام 2019 وحتى الآن، لم تبذل "الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا" وذراعها العسكري "قوات سوريا الديمقراطية"، والتي تحتجز الآلاف من مقاتلي التنظيم، جهوداً حقيقية في الكشف عن مصير المفقودين، كما لم تتعاون مع عائلاتهم بالشكل الكاف، رغم محاولاتهم بشتى الوسائل التحري عن مصيرهم.
أطراف الصراع الأخرى:
تتقارب أرقام المختفين قسراً لدى أطراف الصراع السوري الثلاثة الباقية، وهي: "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وفصائل المعارضة المدعومة من تركيا "لجيش الوطني"، و"هيئة تحرير الشام". كما تتشابه لديهم أيضاً أساليب الاعتقال والإخفاء القسري، إذ يستخدم كلٌ منها الاعتقال والإخفاء القسري كأداة لإرهاب الخصوم، وكتم الأصوات المعارضة في مناطق سيطرته. وغالباً ما يتم الاعتقال خلال مداهمات أمنية لمناطق معينة، أو على نقاط التفتيش، ودون مذكرات توقيف قضائية أو توجيه تُهم محددة، على الرغم من امتلاك الجهات الثلاث لأجهزة قضائية.
ولدى تلك الأطراف جميعها مراكز احتجاز رسمية، وأخرى سرية، بحيث يتحول الكثير من المعتقلين إلى مختفين قسراً، يُمنع على ذويهم الزيارة أو توكيل محامٍ، كما يتعرض أهالي الضحايا للابتزاز، مقابل المعلومات أو الإفراج عن المختفين قسراً.
ثانياً: من الثورة إلى السردية (البناء والصراع)
لطالما شكلت السردية جزءاً أساسياً من الصراع السوري، في مختلف مراحله، من الاحتجاجات السلمية إلى العسكرة وما بعدها. حيث كانت الشوارع ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أكبر ساحات ذلك الصراع بين سردية الحكومة السورية، وسردية المعارضة والثورة. ثم لينتقل هذا الصراع إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظماتها، وقاعات المحاكم في أوروبا، وتتشكل حول كل سردية تحالفات خطابية عابرة لحدود سوريا بين حلفاء كل طرف، ويصبح صراع السردية أكثر احتداماً وأهمية. ولذلك ستحاول هذه الفقرة تفكيك بُنيّة كل سردية، والمرور على مفاصل الصراع بينها، وصولاً إلى تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار إنشاء مؤسسة لكشف مصير المفقودين في سوريا، بوصفه إحدى محطات صراع السردية.
1. الحكومة السورية (الدولة):
منذ الأيام الأولى لاندلاع الاحتجاجات، بدأت ترتسم ملامح السردية الحكومية حول ما يجري، سواء عبر تصريحات المسؤولين الرسميين، أو في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي والعربي الناطق باسم حلفائها. أولى ملامح تلك السردية كانت إفراغ الحدث من معناه السياسي، واعتباره "مؤامرة كونية" على النظام السوري، وليس أزمة سياسية، وهو ما تجلى في خطاب الرئيس السوري الأول بعد اندلاع الاحتجاجات. ومن ثم في خطاباته اللاحقة ركز على تصنيف المتظاهرين ضده إلى إرهابيين، وعملاء، وأصحاب مطالب محقة، ولكن مُغرّر بهم، وهو تقسيم يُبرر استخدام العنف ضد التظاهرات ضمناً.
ومع دخول الثورة السورية مرحلة العسكرة، لم يعد لدى الحكومة السورية من تصنيفات سوى الإرهاب، والذي بات صفة للمناطق الخارجة عن سيطرتها بكل مَن فيها من مدنيين وفصائل مُسلحة، وبالتالي مبرراً لسياسة العقاب الجماعي لمناطق بكاملها. وتم تثبيت تلك الصورة عبر الخطاب الإعلامي، والخطاب الرسمي السوري، وعبر القوانين التي أُصدرت بعد العام 2011 في سياق ما أسماه الرئيس السوري "الإصلاح"، مثل القانون رقم (19) للعام 2012 الخاص بمكافحة الإرهاب، والقانون رقم (22) الخاص بتأسيس محكمة الإرهاب، وكلاهما جاء بعد إلغاء حالة الطوارئ في سوريا كإصلاح مُفترض، ولكنها في الواقع أداة تبرير قانوني للممارسات الوحشية للجيش والأجهزة الأمنية.
وفي ذات السياق كان الخطاب الرسمي السوري؛ عبر ممثليه في المحافل الدولية يتركز حول اتهام الدول الداعمة للثورة في سوريا عربية وغربية بتمويل الإرهاب، ومؤسسات المعارضة في الخارج بالعمالة، حتى وهو يتفاوض معها في جنيف، كما جاء على لسان وزير الخارجية السابق وليد المعلم.
وإلى جانب السياق التبريري لتوحّش الجيش والأجهزة الأمنية، كان لابد للسردية الحكومية من سياق إنكاري موازٍ، يَدعم نظرية المؤامرة من جهة، ويُثبِّت صورة "الدولة" التي تحارب " الإرهاب" المدعوم خارجياً من جهة ثانية. وهنا تتفرع سردية جديدة للرد على التُهم الموجهة للحكومة السورية بارتكاب انتهاكات تصل إلى جرائم حرب، تقوم على إنكار الفعل واتهام الطرف المقابل بارتكابه. وهذا ما كان واضحاً في تعاطي النظام السوري وإعلامه مع ملف الهجمات الكيماوية على المدنيين، وملف التعذيب في السجون، حيث اعتبرت مثلاً مستشارة الرئيس السوري لشؤون السياسة والإعلام (بثينة شعبان)، أن الهجوم بالسلاح الكيماوي على الغوطة الشرقية في دمشق، والذي ذهب ضحيته 1400 شخص، كان من "تنفيذ المعارضة المسلحة"، وأن الضحايا "كانوا من (العلويين) الذين تم خطفهم من الساحل السوري"، والذي يبعد 380 كم عن الغوطة جميعها تحت سيطرة القوات الحكومية، "لقتلهم في الغوطة بالسلاح الكيماوي واتهام الحكومة السورية بالهجوم". كما أنكر الرئيس السوري استخدام التعذيب في سجونه مراراً خلال مقبلات متلفزة، واعتبر في إحداها أن (صور قيصر) عبارة عن " فوتوشوب" وأنه لم يرها.
وكانت الردود الحكومية السورية على تقارير المنظمات الدولية التي تتحدث عن التعذيب والإعدامات خارج نطاق القانون في السجون السورية، ولا سيما سجن صيدنايا، دائماً تأتي بالرفض، والإنكار، واعتبار أنها "مُسيّسة وتهدف إلى الإساءة لسمعة سوريا؛ ولتحقيق ما عجزت عنه العصابات بعد انتصار الجيش السوري عليها"، وهذا كان رد وزارة العدل السورية على تقرير لمنظمة العفو الدولية، يتحدث عن إعدام ما بين 5- 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا بين الأعوام 2011- 2015.
ولتثبيت سرديته حول المعتقلين، سعت الحكومة السورية إلى تكريس وصف "الإرهاب" للمعتقلين في مراسيم العفو التي يصدرها الرئيس السوري منذ العام 2011، حيث تُستخدم توصيفات " مرتكبي الجرائم الإرهابية" و"النيل من هيبة الدولة" و"الفرار الداخلي" للعسكريين المنشقين عن الجيش، في محاولة لتثبيت صفة الإرهاب بكل المعتقلين من ناحية، وإظهار التسامح في سلوك "الدولة"، والرئيس تحديداً في التعامل مع المعتقلين، وهو ما يعمل الإعلام الحكومي على نشره عبر إجراء مقابلات مع المفرج عنهم بعد كل عفو، يشكرون فيها الرئيس على كرمه. وفي ذات السياق أصدر الرئيس السوري في العام 2022 القانون رقم (16) الذي يجرم التعذيب بقصد العقاب أو الحصول على المعلومة، في خطوة يبدو أن القصد منها نفي صفة السياسة الممنهجة للتعذيب في المعتقلات، وإحالتها إلى تصرفات فردية لضباط وأفراد الأجهزة الأمنية.
كما ساهم حلفاء الحكومة السورية على المستوى السياسي والعسكري، بتدعيم سرديتها من خلال تشكيل تحالفٍ خطابي أيضاً؛ فمن ناحية نجحت موسكو وإيران عبر مسار (أستانة) التفاوضي بتحويل ملف المعتقلين والمختفين قسراً إلى عملية تبادل أسرى بين "الجيش الوطني" المعارض المدعوم من تركيا، والجيش السوري، بإشراف من وزارة الدفاع الروسية والصليب الأحمر، وهي عملية وإن لم تجد نفعاً حقيقياً من حيث عدد المفرج عنهم، إلا أنها صبت في صالح سردية النظام السوري، باعتبار أن هناك طرفان متحاربان لدى كلٍ منهما أسرى حرب، وليس معتقلو رأي. إضافة إلى ذلك وضفت روسيا قدراتها الإلكترونية في ترويج سردية الحكومة السورية للأحداث في سوريا، عبر حملات تضليل ممنهجة تستهدف الرأي العام العالمي، وتستخدم (مؤثرين، أكاديميين، وسياسيين) غربيين موالين لروسيا، غالباً من اليمين المتطرف المؤمن بنظرية المؤامرة أو اليسار المناهض للإمبريالية، في حين يتولى إعلام محور إيران مهمة ترويج سردية النظام، والتضليل لدى الناطقين بالعربية.
2. المعارضة السورية/ الثورة (الدولة المتوحشة):
يملك السوريون سرديتهم حول نظام آل الأسد منذ عقود قبل الثورة، بوصفه نظاماً عسكرياً فاقداً للشرعية، كما ساهمت أحداث حقبة الثمانيات من القرن الماضي، والتي شهدت ذروة توحش الدولة وأجهزتها ضد المجتمع، في تكريس صورة التوحش في ذهن السوريين؛ لتصبح الدولة السورية خلالها على حد تعبير ميشيل سورا (الدولة المتوحشة). ومعالم تلك الحقبة الرئيسية في السردية السورية، تتكون من تدمير مدينة حماة صاحبة المجزرة الشهيرة، والاعتقالات العشوائية لكل التيارات السياسية، وسجن تدمر وأشكال التعذيب فيه، ولدى أفرع المخابرات المختلفة التي تغولت حتى أصبح مجرد ذكرها مرعباً. يُضاف إلى الرعب الأزمة الاقتصادية الخانقة، والطوابير على منافذ بيع السلع المدعومة حكومياً، والفقر، والفساد الحكومي، وطائفية النظام. وما يميز السردية السورية قبل الثورة، أنها كانت تورث همساً من جيل الآباء الذي عايشها إلى جيل الأبناء، في ظل قبضة أمنية مشددة، وإعلام الصوت الواحد. لاحقاً أضاف توريث بشار الأسد أبعاداً جديدة للسردية حول نظام آل الأسد، وهي تحويل الجمهورية إلى ملكية لهم، ضمن مسرحية "شرعية" تتعلق بترقيته العسكرية والحزبية، وتعديل الدستور السوري في مجلس الشعب على مقاسه، ليصبح رئيساً.
ومع اختبار وعوده الإصلاحية لعقد كامل، وصل السوريون إلى قناعة بعدم قابلية هذا النظام للإصلاح، وكانت لحظة الربيع العربي كفيلة بتحويل السردية إلى حراك، مدعوم بعنصر جديد للسردية، وهو تصور جيل شاب لم يختبر توحش هذا النظام، ولكنه على قناعة بأن تطور تكنولوجيا المعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي القادرة على نقل الحدث لحظياً، إضافة إلى الدعم الدولي للربيع العربي كفيل بلجم جماح التوحش لدى النظام السوري.
ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الاحتجاجات في سوريا، بدأ صراع السرديات بين ماكينة النظام الإعلامية والمحتجين على الأرض، وكان هدف كل من الطرفين كسب الشارع، وفي هذا الإطار كانت سردية المحتجين في الشارع تأخذ منحىً دفاعياً كرد فعل على سردية النظام. وهذا ما يمكن تلمسه من خلال الشعارات المرفوعة في التظاهرات، وأسماء أيام الجمعة التي تشهد أكبر حشود تظاهر؛ فعلى سبيل المثال، حين أعلنت أولى إصلاحات النظام بعد الثورة، على لسان مستشارة الرئيس (بثينة شعبان)، وكان ضمنها زيادة رواتب، في إشارة من النظام السوري أن الاحتجاجات مطلبية وليست سياسية، كان الشعار الذي هتف به المتظاهرون " يا بثينة ويا شعبان، الشعب السوري مو جوعان"، وهتافات مثل "سلمية" و "الشعب السوري واحد" للرد عل اتهام النظام للمتظاهرين بالتطرف والإرهاب. إضافة إلى ذلك كانت أسماء أيام الجمعة ومظاهراتها تحمل دلالات تخص كل المكونات السورية في محاولة لكسبهم وتفنيد رواية النظام حول المتظاهرين.
ومع استخدام العنف المفرط من قبل الجيش والأجهزة الأمنية اتجاه التظاهرات، تحول هذا المنحى الدفاعي للسردية من الشعارات إلى توثيق الانتهاكات المرتكبة ضدهم، وكانت البداية من (التنسيقيات) المحلية، وهي الجهة المسؤولة عن تنظيم التظاهرات في كل منطقة، ولديها لجان إعلام وتوثيق لأسماء الشهداء، يتم التواصل عبرها مع وسائل الإعلام الداعمة للثورة السورية، والمنظمات الدولية، ومن ثم تولت المسؤولية مراكز حقوقية سورية محترفة ومخصصة لتوثيق الانتهاكات.
ومع تطور الصراع السوري، وتعدد أطرافه، وتعاظم حجم الضحايا، والانتهاكات، بحيث أصبح الصراع السوري أكبر مأساة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية، وأكثر حدث تم توثيقه في التاريخ، بدأ اهتمام السويين وجهد المجتمع المدني ينصب على قضايا العدالة الانتقالية، حيث تم تشكيل ما يزيد عن خمسين منظمة غير حكومية سورية معنية بقضايا التوثيق والتدريب والعدالة الانتقالية. ساهم جهد تلك المنظمات إلى جانب الإعلام بتغذية السردية السورية حول (توحش الدولة)، من خلال توثيق الانتهاكات المختلفة، وعمليات المناصرة التي كانت تقودها على مستوى المحافل الدولية.
ورغم استمرار الطابع الدفاعي للسردية في تلك المرحلة؛ إلا أنها كانت متفائلة، بفعل تقدم المعارضة العسكري، والسيطرة على مساحات واسعة من الأرض، وبفعل الزخم والدعم الإقليمي والدولي لمؤسسات المعارضة السورية، وهو أمر انعكس في تصورات المجتمع المدني حول التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية، والتي تم إعداد خطط لها مبنية على فرضية الانتصار. مثل مشروع " دعم الانتقال الديمقراطي للسلطة في سوريا" الذي قدمته منظمة "اليوم التالي" في العام 2012، والذي وضع تصوراً شاملاً لعملية الانتقال الديمقراطي بما في ذلك عملية العدالة الانتقالية وآلياتها. وكذلك الأمر بالنسبة لمشروعي منظمة "دولتي" وخطة التحول الديمقراطي "للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية" واللذان ظهرا في العام 2013، وقدما تصوراً شاملاً لعملية العدالة الانتقالية.
عقب التدخل الروسي، وتغير ميزان القوى لصالح الحكومة السورية على الأرض، أخذت حوامل الصراع السوري العسكرية والسياسية بالتراجع تدريجياً، مع انحسار مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، وتعطيل موسكو لمسار جنيف التفاوضي لصالح مسار أستانة، وبالمقابل كانت سردية الثورة السورية تتضخم بفعل الانتهاكات المرتكبة على يد الجيش السوري وحليفه الروسي. ومنذ العام 2020، حيث ارتسمت خرائط السيطرة العسكرية المستقرة إلى الآن بين أطراف الصراع، والتي تسيطر فيها الحكومة السورية على ما يزيد عن 60% من الأرض، في حين انحسرت مساحة سيطرة المعارضة إلى حوالي 11%، تعطلت حوامل الصراع العسكرية والسياسية بين المعارضة والنظام. ولم يبق اليوم إلا صراع بين سردية "المنتصر" التي يُصدّرها النظام السوري، وسردية مُعارضة باتت أقرب للمظلومية ترتكز على انتهاكات كُبرى، ومتراكمة، ضحايا بعضها يُقدّر بالملايين، وهي: القتل واستخدام السلاح الكيماوي، والمعتقلون والمفقودون، والتهجير القسري والاستيلاء على الملكية، وغيرها. ويخوض هذا الصراع عموم جمهور المعارضة السورية على السوشال ميديا ومن خلال التظاهر، وروابط ضحايا الانتهاكات، ولاسيّما أُسر المعتقلين والمفقودين، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني من خلال حملات المناصرة لدى الدول الفاعلة والمتعاطفة مع الثورة السورية، وفي أروقة المؤسسات الدولية، بهدف إبقاء الملف السوري على طاولة الأولويات، والتذكير بجرائم النظام واستحالة تعويمه مجدداً من ناحية، والدفع بضرورة المحاسبة والعدالة الانتقالية كمقدمة لأي حل مستقبلي من ناحية أخرى.
ثالثاً: "ليسوا أرقاماً" سردية فرعية باتجاه مركزية الضحايا:
كنتيجة للإحباط الناجم عن التراجع في الزخم العسكري والسياسي للملف السوري، وعدم وجود مسارات دولية حقيقية باتجاه العدالة والمحاسبة؛ لجأت بعض المنظمات الحقوقية السورية لرفع دعاوى قضائية ضد النظام السوري ورموزه، تتعلق بشكل رئيسي بالتعذيب في المعتقلات. إذ تعتمد تلك الدعاوى القانونية على شهادات الناجيات/ الناجين من الاعتقال، وبطبيعة الحال دَعم أفراد أُسر المختفين قسراً في سجون الحكومة السورية، وأسر ضحايا التعذيب الذين كشفتهم صور (قيصر) ذلك التحرك. ومن هنا بدأ ينشأ التواصل بين الناجيات/ الناجين من معتقلات الحكومة السورية، وأسر الضحايا؛ لتنشأ بعد ذلك روابط تجمعهم تستمد فكرتها من تجارب دول أخرى مثل الأرجنتين والبوسنة والهرسك.[38]
بدأت روابط الضحايا والمختفين قسراً تضع رؤاها، والتي ستتحول لاحقاً إلى سردية خاصة بالضحايا، وتتمركز تلك الرؤى حول أولوية إطلاق سراح المعتقلين، وحق الأهالي في كشف المصير وإعادة الرفات لمن قضى تحت التعذيب، بالإضافة إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي لأسر الضحايا. ومن خلال لقاءات عدة جمعت روابط الضحايا، تم من خلال نقاشاتهم الوصول إلى رؤية موحدة تجمع الروابط، تم إطلاقها في العام 2021 تحت اسم (ميثاق الحقيقة والعدالة)، وقد ضم الميثاق خمس روابط، وهي: رابطة عائلات قيصر، مسار (تحالف أُسر الأشخاص المختطفين لدى تنظيم الدولة الإسلامية)، عائلات من أجل الحرية، رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، مبادرة تعافي، ثم توسع (الميثاق) لاحقاً ليضم عشر روابط؛ ليتشكل بذلك أول تحالف خطابي بين أسر الضحايا والمفقودين، وتتبلور ملامح سرديتهم الخاصة.
ويمكن تلمس ملامح تلك السردية من خلال الأسس التي يعتمدها الميثاق، وهي:
- اعتماد نهج يركز على الضحية كأساس لأي عمل قانوني وسياسي وقضائي يُعالج أو يؤثر على حقوق الضحايا، وبالتالي تحدي الضغوط والأجندات النخبوية أو الخارجية التي قد تتعارض مع رؤية الضحايا.
- استخدام المرجعيات والمبادئ القانونية والمعايير الإنسانية الدولية، القائمة على مختلف فروع القانون الدولي ذات الصلة بالوضع في سوريا.
- قيم منظمات الضحايا المؤسسة هي: الاستقلال، الشمولية، الحياد، الشفافية، وعدم التمييز بين الضحايا على أساس هويتهم، أو نوع الانتهاك، أو مدى المعاناة، أو الكيان المنتهك؛ والتمثيل الذاتي للضحايا.
ويفرّق (ميثاق الحقيقة والعدالة) بين تحقيق العدالة على المدى القصير أو الكشف عن مصير المعتقلين، والعدالة على المدى الطويل، التي تتمثل بالمساءلة على نطاق أوسع، والتي تعمل عليها مؤسسات كثيرة دولية وسورية. وتبدو تلك الرؤية لأسر الضحايا وروابطهم مبنية على قراءة واقع عمل وتركيز المؤسسات الدولية والمحلية المعنية بالمحاسبة في سوريا، إذ تتوافق تلك الرؤية مع نتائج تقييم قامت به كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية حول الثغرات الحالية في جهود التوثيق المبذولة من قبل الجهات الدولية والمجتمع المدني السوري، عبر إجراء مسح لجميع الجهود الدولية الحالية في التوثيق، وإجراء مقابلات موسَّعة مع 14 منظمة مجتمع مدني سورية فاعلة في مجال التوثيق. وتوصل التقييم إلى أن كل الجهود في الحالة السورية تركز على توثيق الانتهاكات والجرائم وآليات التقصي التي يمكن استخدامها في مسار الملاحقات الجنائية مستقبلاً، وبذلك تكون تلك الجهود، رغم أهميتها، مُركّزة باتجاه العدالة الجنائية، وتعترف من خلال التقييم مجموعات المجتمع المدني السوري بالحاجة إلى مواءمة أنشطتها بشكل أوثق مع احتياجات الضحايا والمجتمعات المتضررة وأولوياتها، أكثر مما فعلت في الماضي.
ومن خلال النقاشات بين روابط (الميثاق) تم التوصل إلى ضرورة وجود مؤسسة معنية بكشف مصير المفقودين في سوريا ذات طابع دولي، وهي فكرة كانت بوادرها ظهرت منذ العام 2011 في تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا. وبهدف بلورة أبعاد الفكرة، تم تكليف باحث متخصص (جيرمي ساركين) بإعداد دراسة، تمثل تصوراً للمؤسسة المطلوبة، وفعلاً تم إصدارها في العام 2021 بعنوان " إنهم بشر وليسوا أرقاماً". أثار إطلاق الدراسة موجة تعاطف مع روابط (الميثاق) من قبل الدول الداعمة للقضية السورية، والمنظمات الدولية المعنية، لتبدأ الروابط بتكثيف التواصل والمشاورات مع سفراء الدول وممثلي المنظمات الدولية في سبيل مناصرة مطلبهم وتطوير آليات الوصول إليه، ومن تلك المشاورات والاجتماعات، تم وضع فكرة تحييد المؤسسة المعنية بالكشف عن مصير المفقودين اتجاه أطراف الصراع في سوريا، وعدم تطرقها للمحاسبة، كما تم اقتراح التوجه بها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعقب بلورة الفكرة لدى الروابط، بدأت حملة مناصرة شاقة وطويلة استغلت المؤتمرات الدولية حول سوريا، ومجلس حقوق الإنسان، واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لعقد لقاءات على هامشها مع ممثلي الدول والمنظمات الدولية. أوصل جهد المناصرة لروابط (الميثاق) إلى توجيه الأمين العام للأمم المتحدة لإعداد دراسة جدوى حول إنشاء آلية دولية موحدة للبحث عن مئات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً في سوري،ا وذلك بناءً على توصية من مجلس حقوق الإنسان ولجنة تقصي الحقائق حول سوريا.
بدأت بعد ذلك مشاورات بين روابط الضحايا ومكتب سوريا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وذلك لتزويده بتصور ومطالب روابط الضحايا بخصوص المؤسسة المنشودة، وذلك بعد الاستعانة بخبراء وقانونيين ساهموا مع الروابط في إعداد ورقة سياسات حول المؤسسة. لتنتقل بعدها روابط (الميثاق) نحو توسيع تحالفاتها مع روابط الضحايا السورية، ومؤسسات المجتمع المدني المعنية لخلق رؤية موحدة بينهم، وهو ما تم فعلاً.
ومن خلال الرؤية الموحدة، اتجه نشاط روابط (الميثاق) نحو الاستفادة من تجارب دول أخرى تملك آليات مشابهة، وبناء تحالفات خطابية موسعة مع روابط الضحايا في تلك الدول، مثل: الأرجنتين، كولومبيا، المكسيك، قبرص، لبنان، تونس، ودول أفريقية. وبعض تلك الروابط لعبت دوراً هاماً لاحقاً في تحديد موقف دولها من التصويت لصالح إنشاء المؤسسة في سوريا. بالإضافة لذلك، عقدت الروابط لقاءات مكثفة وعلى عدة مراحل مع ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحثاً عن دول تتبنى مشروع القرار وتكون صاحبة القلم، إلى أن تم الاتفاق مع لكسمبرغ وألبانيا وبلجيكا والرأس الأخضر وجمهورية الدومينيكان ومقدونيا؛ لتستمر بعد ذلك الاجتماعات المكثفة مع مندوبي الدول الأعضاء قبيل التصويت على القرار، حتى وصل عددها إلى حوالي 50 اجتماعاً.
وبالتزامن مع جهد المناصرة واللقاءات التي كانت تعقدها روابط الضحايا في الأمم المتحدة، كانت بعثة الحكومة السورية تشن حملة مضادة مع الدول الأعضاء، وبالتعاون مع حلفائها، ولاسيّما روسيا. فقبيل إحدى الاجتماعات التي دعت لها ألمانيا لدعم مشروع القرار، أرسلت البعثة السورية رسالة إلى الدول الأعضاء في الجمعية العامة، تطلب منهم عدم الحضور، وتتهم مشروع القرار بأنه مُسيّس وتدخل غربي في شؤون سوريا، إضافة إلى إنكار وجود التعذيب والمفقودين في سجون الحكومة السورية، وأن تلك الحكومة تخوض حرب ضد الإرهاب. كما هددت موسكو بتعطيل تمديد تفويض آلية دخول المساعدات إلى سوريا في مجلس الأمن، والذي يسبق التصويت عليه موعد تصويت الجمعية العامة، في حال تمرير مشروع قرار إنشاء مؤسسة المفقودين. واستغلت الحكومة السورية أيضاً وقوع زلزال شباط/ فبراير، وما نتج عنه من انفتاح على دمشق من بوابة المساعدات الإنسانية، وبخاصة من الدول العربية، لتعمل على تحييد تلك الدول وتغيير مواقفها من مشروع القرار، الأمر الذي اضطر روابط الضحايا للقيام بحملة مناصرة جديدة على أعتاب تصويت الجمعية العامة؛ لينتهي صراع السرديات السورية داخل أروقة الأمم المتحدة أخيراً، بالتصويت لصالح القرار بالأغلبية.
رابعاً: النتائج
لاقى قرار إنشاء مؤسسة خاصة بالمفقودين في سوريا ترحيباً بشكل عام لدى السوريين؛ إلا أن هذا الترحيب كان مشوباً بتحفظات وانتقادات في معظمها مُحقة، وتعكس حالة من الإحباط يعيشها السوريون، ولاسيّما الناشطون في المجتمع المدني والمجال الحقوقي، نتيجة لعدم اتخاذ خطوات دولية جدية باتجاه الإفراج عن المعتقلين لدى الحكومة السورية وغيرها من أطراف الصراع، أو باتجاه كشف المصير والمحاسبة. وما يزيد من وجهة النظر المُتشائمة اتجاه المؤسسة، هو حالة اليأس من إمكانية تعاون أطراف الصراع مع المؤسسة، وعلى رأسهم الحكومة السورية؛ لما في هذا التعاون من إدانة ضمنية لتلك الأطراف. وعلى الرغم من وجاهة تلك الحجج؛ إلا أن المنظور الحقوقي البحت، يبقى قاصراً كمنظور وحيد، لأنه يغيب نقاط إيجابية لوجود مثل تلك المؤسسة، وبالتحديد المتعلقة منها بالسردية. ومن تلك النقاط:
- إن آلية ومسيرة الوصول إلى تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار إنشاء مؤسسة للمفقودين في سوريا، وبأغلبية التصويت، يُعتبر انتصار لسردية الضحايا ومن خلفها سردية الثورة السورية. كما أن نضال روابط الضحايا خلال سعيهم للوصول إلى القرار، بما فيه التواصل وبناء الصلات مع روابط ضحايا الاختفاء القسري في دول أخرى، ساهم في تكريس التجربة السورية كتجربة عالمية مُلهمة ضمن تجارب أخرى حول العالم، وهذا ما انعكس إيجابياً في تأثير روابط ضحايا ممن تم التواصل معهم في مواقف دولهم من التصويت، كحالة المكسيك وغواتيمالا والأرجنتين، أو لاحقاً اتجاه المؤسسة ذاتها، كما في حالة لبنان. وهو أمر يُمثّل تحالفاً خطابياً سينعكس مستقبلاً في تدعيم سردية روابط الضحايا السوريين، ومناصرتها على نطاق أوسع.
- يُشكّل نضال روابط الضحايا السوريين، ودورهم في رسم ملامح المؤسسة الخاصة بالمفقودين، وتأكيد قرار إنشائها على ضمان تمثيلهم في المؤسسة، سابقة على مستوى عمل المؤسسات الدولية والمحلية المعنية بالمفقودين والاختفاء القسري. إذ غالباً ما يتم رسم الاستراتيجيات الخاصة بالانتهاكات من الأعلى، والتعاطي مع الضحايا بوصفهم شهود فقط، وهو الأمر الذي يتضح في الأسس التي قام عليها (ميثاق) روابط الضحايا السوريين إذ يعتبر " تحدي الضغوط والأجندات النخبوية أو الخارجية التي قد تتعارض مع رؤية الضحايا" من أسس عمل الميثاق. وذات النتيجة كان الباحث قد توصل لها من خلال دراسة تناولت العدالة الانتقالية من وجهة نظر المُهجرين قسراً في الشمال السوري، الأمر الذي يعكس حاجة ماسة لإعادة النظر في عمل المنظمات السورية والدولية المعنية بالانتهاكات، ودور الضحايا وروابطهم في رسم سياساتها، ويقدم نموذج قابل للتعميم من خلال مؤسسة المفقودين، بحيث تكون روابط كل انتهاك شريكة على مستوى رسم استراتيجيات التعامل معه، ويتم بناء تلك الاستراتيجيات وخطط العمل من الأسفل وبشكل متوافق أكثر مع رؤى الضحايا واحتياجاتهم.
- بالرغم من أن المؤسسة الحالية في قرار إنشائها لا تذكر المختفين قسراً بشكل صريح، ولا توجه اتهام لأي من أطراف الصراع؛ إلا أن ذلك قد يُسهّل عملها من ناحية، وبطبيعة الحال، ما أن تستأنف المؤسسة عملها في جمع البيانات وتلقي بلاغات ذوي المفقودين؛ ستكشف نتائج عملها عن أن الغالبية العظمى من المفقودين هُم مختفون قسراً، وعلى يد الحكومة السورية، وبالتالي سيصب ذلك في صالح تدعيم سردية الثورة، وتفنيد سردية الحكومة.
- لا يقتصر عمل المؤسسة الجديدة على المختفين قسراً في معتقلات الحكومة، وإنما يشمل كل المفقودين لدى أطراف الصراع، وبالتالي فإن فرص تعاون تلك الأطراف متفاوتة من حيث إمكانية حدوثها؛ فأثناء كتابة هذه الورقة، أعلنت "الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا" تشكيل “اللجنة المعنية بالمفقودين في شمال وشرق سوريا”، وذلك استجابة لقرار إنشاء مؤسسة لكشف مصير المفقودين في سوريا، كما يشير تصويت تركيا لصالح القرار في الجمعية العامة إلى إمكانية ضغطها باتجاه تعاون الحكومة المؤقتة والفصائل المدعومة منها مع المؤسسة. أما بالنسبة للحكومة السورية، والتي تشي مواقفها المعلنة اتجاه القرار بأنها لن تتعاون مع المؤسسة؛ إلا أن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الحكومة اليوم، وتبني مسار خطوة بخطوة في التعاطي الأممي والعربي معها، قد يشكل بارقة أمل بإمكانية رضوخها للتعاون مع المؤسسة، وذلك في حال تم تبنيها كخطوة مطلوبة أممياً وعربياً من النظام السوري. وعلى أي حال، إن تعاون أي طرف من أطراف الصراع يُمثل إنجازاً، إذا نظرنا إلى المفقودين في سوريا على أنهم متساوون دون تمييز على أساس "هويتهم، أو نوع الانتهاك، أو مدى المعاناة، أو الكيان المنتهك"، وهي رؤية (الميثاق) وروابطه.
- ليس من المتوقع أن تعطي المؤسسة الجديدة نتائج في أمدٍ قصير، فأمامها مشقات ومتاعب عديدة، تتعلق بتحديد آليات عملها، وبجمع وتوحيد البيانات المفرقة حول المفقودين والمختفين قسراً، والتواصل والتعاون مع أطراف الصراع، ولكن وجود مثل تلك المؤسسة ضرورة سورية على المدى البعيد. حيث لابد من وجود مؤسسة متخصصة بالمفقودين بعد أكثر من عقد على الصراع في سوريا، تكون بداية لجهد حقيقي وطويل لحل هذا الملف أياً كانت نتائج الصراع على المستوى السياسي، وتحمل القابلية للتحول إلى مؤسسة وطنية سورية مستقبلاً حين تتاح الظروف المناسبة. فبناءً على تجارب الدول التي مرت بصراعات مشابهة، قد تستغرق عملية كشف مصير المفقودين سنوات أو عقود، ونضالاً مريراً من أسر الضحايا. لذلك لابد من التعاطي مع المؤسسة الجديدة على اعتبارها ذات بعد استراتيجي، وهو أمر تدركه جيداً أُسر وروابط الضحايا في سوريا، وهي مستعدة للاستمرار في نضالها لسنوات في سبيل كشف المصير، مستمدين قوتهم من تجارب مُلهمة في العالم.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.