نريد أن نبكي من نسيْتم

تمت كتابة الورقة هذه ضمن إطار البرنامج التدريبي ”السياسة العامة والمواطنة الفعالة“، وهو أحد ركائز مشروع مبادرة الإصلاح العربي حول ”تعزيز التحليل النقدي للسياسات“. ويهدف البرنامج التدريبي إلى تعزيز البحوث الخاصة بالسياسات العامة والقائمة على الأدلة من خلال تزويد الباحثين/ات الصاعدين/ات بالأطر النظرية والمهارات الفنية لتمكينهم من كتابة أوراق السياسات.

يُقلّب ذوي ما بين 100 إلى 150 ألف مخفيٍّ قسراً في سوريا، ما تبقّى لهم من صورهم، مستحضرين ذكرياتهم بغصّة، يغيب الصوت ويعتصر القلب. فمأساتهم المنسية، لا يشعر بها سوى أم أو أخت أو زوجة أو طفلة ما زلن ينتظرن أن يقرع الباب ويدخل عليهنّ أحباؤهنّ، أو هاتفاً يسمعن  عبره صوتهم، أو حتى قبراً ينتحبن عليه حزنهن. نار تأكل قلوب الكثير من السوريين لن تخمد حتى إيجاد إجابات مقنعة عن سؤالهم: ما هو مصير أحبائنا؟

تشكل قضية المفقودين، منذ زمن بعيد، متلازمة لكل حرب، يتحول خلالها كثيرون إلى مفقودين ومخفيين قسراً، نتيجة العنف، على الرغم من إلزام الشُّرعة الدولية، ومنها القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، أطراف النزاع باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري. وفي حال حدوثه،عليها اتخاذ التدابير اللازمة لضمان كشف مصيرهم وإخبار عائلاتهم. لكن تلك البيئة التشريعية والقانونية الدولية لم تترجم بقوانين دول النزاعات، ومنها سوريا التي تكاد تكمل عامها الثالث عشر، وهي تغرق في مستنقع عنفي يكاد يكون واحدةً من أبشع الأزمات منذ الحرب العالمية الثانية، واختلطت خلالها الملفات الإنسانية بالسياسية، وتحولت في كثير من المحطات إلى أدوات ابتزاز مجتمعي وسياسي ومادي.

وشكلت عمليات الإخفاء القسري بأشكاله المتنوعة، واحدة من أدوات أطراف النزاع السوري للتخلص من معارضيها وترهيب المجتمعات. وأبرزها الخطف بكمائن في الأماكن العامة، أو أماكن الإقامة والتواجد، والتوقيف على الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة في مختلف مناطق السيطرة والمنافذ الحدودية، من دون إعلام الشخص المستهدف أو ذويه عن سبب اعتقاله والجهة التي يساق إليها، بالإضافة إلى وقوع العديد من المجازر والإعدامات الميدانية.

كما تتبع المجموعات المسلحة والجهات القمعية سياسة التكتم على مصير المعتقلين لديها، فيتحول المعتقل إلى رقم بهدف تغييب اسمه الممنوع من استخدامه أو البوح به إلى أحد. كما تحرم تلك الجهات ذوي المخفيين أو المعتقلين من مراجعتها للاستفسار عن مصير أبنائهم، بل يُرَهّبون إلى حد الاعتقال والتغييب القسري أيضاً. ويُمنع المحامون من مراجعتها، فيقتصر دورهم على مراجعة الجهات القضائية ما عدا المحاكم الميدانية سيئة الصيت، التي أُلغيت مؤخراً، والسجون الرسمية.

من جهتها، قالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، في بيان لها، نشر على موقعها الرسمي في شهر آب/أغسطس 2023، إن "ما لا يقل عن 155604 أشخاص بينهم 5213 طفلاً و10176 سيدة، لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2023".

وأوضحت في بيانٍ آخر، نشر في نهاية شهر حزيران/يونيو 2023، على موقعها أن "عدد المخفيين قسراً، وفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يقل عن 111907 أشخاص، بينهم 3041 طفلاً و6642 سيدة، لا يزالون قيد الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2022، ويتحمّل النظام السوري مسؤولية نحو 86% منهم".

وقال رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا باولو بينيرو، خلال الدورة التاسعة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان، بعد 11 عاماً من الصراع، إن "أكثر من 100,000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين أو المخفيين قسراً".

من جانبها، قالت المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت، في نيسان/أبريل 2022، أمام الدول الأعضاء في قاعة الجمعية العامة في نيويورك، إن "السعي إلى تحديد مكان ومصير المفقودين في سوريا، ومن ضمنهم المخفيّون قسراً والمختطفون والمعتقلون تعسفياً، يدل على الألم والخوف والمعاناة المستمرة التي سببها الصراع الطويل والرهيب في البلاد".

وأوضحت أنه "على الرغم من العمل الدؤوب للضحايا والناجين السوريين، وجمعيات الأسر ومجموعات المجتمع المدني الأخرى - وجهود العديد من الهيئات الدولية - لا يزال الوضع الحالي لعشرات آلاف الأشخاص وأماكن وجودهم ومصيرهم مجهولاً".

وأضافت أن "الآلاف من عائلات المفقودين لا تزال تجهل مصير أبنائها وأحبائها، ومن الضروري إبلاغهم بمصير ومكان وجودهم، والسماح لهم بزيارتهم أو التواصل معهم". ودعت إلى السماح لوكالات حقوق الإنسان والوكالات الإنسانية بالوصول إلى جميع الأماكن التي يُحتجز فيها المعتقلون والمختطفون.

آليات كشف مصير المعتقلين والمغيّبين قسراً

آليات أممية ودولية

أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 حزيران/يونيو 2023 "مؤسسة مستقلة" لـ"جلاء" مصير ومكان عشرات آلاف المفقودين في سوريا. لكن لا يحدد النص طرق عمل هذه المؤسسة التي يجب على الأمين العام للأمم المتحدة تطوير "إطارها المرجعي" خلال 80 يوماً من تاريخ تأسيسها، بالتعاون مع المفوض السامي لحقوق الإنسان.

ويبين نص الإنشاء أنه سيتعين على المؤسسة ضمان  "المشاركة والتمثيل الكاملين للضحايا والناجين وأسر المفقودين، والاسترشاد بنهجٍ يركز على الضحايا". وتدعو الجمعية العامة الدول و"جميع أطراف النزاع" في سوريا إلى "التعاون الكامل" مع المؤسسة الجديدة.

في المقابل، لم تلقَ تلك المؤسسة قبول الحكومة السورية. إذ اعتبر سفير سوريا في الأمم المتحدة بسام صباغ أن القرار يعكس "تدخلاً صارخاً" في شؤون البلد الداخلية، مشيراً خصوصاً إلى الولايات المتحدة.

وحضر ملف المغيبين والمفقودين خلال السنوات الماضية، على مستوى الدول والمنظمات الدولية. فعملت منظمة الصليب الأحمر الدولية على توثيق ومحاولة الوصول إلى المعتقلات، وتأمين الرعاية الصحية للمعتقلين. لكن لا يزال  أثرها محدود الفعالية في ملف الكشف عن مصير المفقودين. كما سُجلت بعض الجهود الدولية، مثل محاولات الصين وروسيا  وأميركا وغيرها، لكشف مصير بعض المعتقلين، مثل المعارض عبد العزيز الخير ورفاقه، بالإضافة إلى مطالبات ومناشدات من دون أي جدوى تذكر حتى اليوم.

الحكومة السورية

أوجدت الحكومة السورية آليات للتعاطي مع المعتقلين والمغيبين قسراً مجهولي المصير. وأفاد محامٍ مقيم في دمشق، طلب عدم الكشف عن هويته، أن هناك "آليتين لتلك العملية، أولاهما مكتب المفقودين الذي أنشئ في أواخر عام 2011، في مبنى وزارة العدل السورية في دمشق. وتقوم على ملء ذوي المفقود استمارة خاصة تحتوي على معلوماته الشخصية وتاريخ ومنطقة فقدانه، لتخاطب الوزارة إدارة السجون والأفرع الأمنية، على أمل أن يأتي الرد بعد أسابيع قليلة، إلا أنها آلية غير ملزمة للأجهزة الأمنية، وبالتالي لا تتجاوب معها غالباً".

والطريقة الثانية، بحسب المصدر نفسه، هي "تقديم الطلب نفسه تقريباً إلى القضاء العسكري، وهو يرسلها بدوره إلى الشرطة العسكرية التي ترد إذا كانت تعرف الشخص المستعلَم عنه، أو إذا كان في أحد أفرعها. لكنها آلية غير واضحة من ناحية إلزامها للجهات التي تحتجز أشخاصاً بشكلٍ يخالف القانون  في الأصل".

ولفت إلى وجود "سبل قد تكون أكثر انتشاراً في المجتمع السوري، لكنها خارج الآليات القانونية. وهي تعتمد على شبكات فساد، عمادها أشخاص يزعمون امتلاك نفوذ أو مصادر لهم في أماكن الاحتجاز. فيقدمون معلومات عن المعتقلين والمغيبين مقابل مبالغ مالية، في حين يتعرض ذووهم إلى عمليات نصب وابتزاز، من دون أي جدوى لمعرفة مصيرهم".

وأشار إلى "لجوء ذوي المغيبين والمعتقلين في بعض المناطق إلى القيادات الاجتماعية والدينية، ومتزعمي المجموعات المسلحة، على أمل وجود ارتباطات لهم مع قوى الأمر الواقع، التي تعزز بدورها حضورهم وتصدرهم كقيادات مجتمعية على حساب القوى المدنية والمثقفين عبر منحهم بعض الامتيازات، وقبول وساطتهم في بعض القضايا. فتستخدمهم في إدارة المجتمع، وتعطيل أي حالة تغيير أو تمثيل حقيقية ليصادروا المشهد العام.  كما تمنع بروز قيادات جديدة، وبالتالي، الضغط  لإنتاج آليات قانونية للكشف عن مصير المفقودين".

من جهته، أشار المحامي والناشط الحقوقي السوري كمال سلمان إلى وجود طرق أخرى، غير الآليات السابقة، حاول ذوو المفقودين اللجوء إليها، "مثل تقديم طلب زيارة من أقارب المفقود من الدرجة الأولى إلى إدارات السجون غالباً، وانتظار الرد للكشف عن وجوده فيها". وأضاف أن "هناك حالات يمكن اللجوء فيها إلى اللجنة الأمنية في المحافظة، عبر تقديم طلب خطي لتبيان مصير الشخص فيها".

وبيّن أن "الأهالي بدأوا باستخراج بيانات عائلية من السجل المدني، بعد تسجيل حالات وفيات في السجلات من دون علم أهل المفقود، خلافاً لأحكام المادتين 38 و39 من القانون 13 لعام 2021، المتضمن قانون الأحوال المدنية السوري، التي توجب التقيد بأصول وإجراءات تسجيل المتوفّين في مراكز الاعتقال والسجون. وتعتمد على النائب العام الذي ينظم واقعة الوفاة، ثم يحيلها إلى أمين السجل المدني ضمن المدة القانونية". ولفت إلى "إمكانية  التواصل مع منظمات دولية مثل الصليب الأحمر الدولي القادر  على الوصول إلى أماكن الاعتقال المعلنة، في بعض الحالات".

فتحول السجل المدني إلى واحد من آليات الكشف عن مصير المغيبين قسراً، لكنه لا يملك الحقيقة أو يبين كيف وصلوا إلى هذا المصير. واهتمت منظمات عديدة بالعمل على توثيق عمليات تسجيل المتوفين من المعتقلين والمغيبين قسراً من دون إبلاغ ذويهم. وأفادت "المنظمة السورية لحقوق الإنسان"، في تقرير لها نشر على موقعها في نهاية عام 2022،  بوجود نوعين لبيانات الوفاة المسجلة في دوائر السجل المدني؛ النوع الأول هو بيانات وفاة تعطى لأهالي المتوفين من السجل المدني. وهي الوثائق نفسها التي يحصل عليها ذوو المخفيين قسراً من دوائر السجل المدني بعد مراجعتهم لها، وإجرائهم معاملة الحصول على بيان وفاة. ويظهر في معظمها أن مكان الوفاة هو دمشق، المدينة الأكثر احتواءً لمراكز الاحتجاز التي يتوفى فيها الشخص المخفي  قسراً، لكن البيان لا يتضمن تحديد اسم أي من مراكز الاحتجاز.

أما النوع الثاني فهو بيانات وفاة لا يُسمح للأهالي بالحصول عليها، بل تبقى داخل دوائر السجل المدني، وتتضمن مكان/محل الوفاة. وتمكن فريق الشبكة السورية لحقوق الإنسان من الحصول على عدد منها، ويظهر في معظمها مكان/محل الوفاة في مستشفى تشرين العسكري أو محكمة الميدان العسكرية، ما قد يشير إلى الحكم على  هذا الشخص بالإعدام.

بدوره، أعرب المحامي والناشط الحقوقي عارف الشعال، المقيم في دمشق، عن مخاوفه من إمكانية الكشف عن مصير المفقودين. وقال: "أخشى أنه لا توجد طريقة قانونية للكشف عن مصير الأشخاص المفقودين، عدا تنظيم محضر ضبط بالاختفاء". واعتبر أن "نافذة الكشف عن المفقودين التابعة لوزارة العدل آلية إدارية وليست قانونية، ولم تثبت جدواها".

ولفت إلى "عدم وجود آلية قانونية ملزمة للكشف عن مصير الأشخاص وتواجدهم لدى العديد من الجهات". وأوضح أن "التوقيف لمدة تتعدى  الشهرين من دون إحالة إلى المحكمة، لا أساس قانونياً له، ويعد جريمة في نظر القانون. ويُحوَّل الموقوف المخفي قسراً لدى بعض الجهات غالباً إلى المحكمة الميدانية، التي لا يعلم أحد شيئاً عنها، كونها سرية ولا تقبل مرافعة  المحامين أمامها".

من جهته، قال المحامي والناشط في الشأن العام عادل الهادي، إن "الطريق القانوني في حال فقدان أي مواطن من دون معرفة مكانه هو تقديم إخبار إلى النيابة العامة، يبين فيه اسم الشخص وظروف مكان وتاريخ فقدانه وجميع المعلومات المتاحة. وعلى النيابة العامة اتخاذ الإجراءات المناسبة للبحث عنه". وأضاف أنه "في حال عُرفت جهة اعتقاله ومضي الوقت القانوني، أي أكثر من اثنتين وسبعين ساعة من دون تحويله إلى القضاء أو إخلاء سبيله  أيضاً، يقدم ذووه شكوى إلى النيابة العامة لمعرفة مصيره".

وأوضح أن "تمديد التوقيف يتم حكماً عبر موافقة النائب العام، وبعد إبداء الأسباب المقنعة التي تبرره، لأنه في حال أثبت التحقيق مع المعتقل أنه مرتكب، القضاء هو الذي يقرر توقيفه وإصدار الحكم عليه". وبين أن "وجود المواطن  لدى أجهزة المخابرات يعني أنه معتقل. وحين يُحوّل إلى القضاء يستجوبه القاضي، فإذا قرر حبسه يصبح اسمه موقوفاً على ذمة التحقيق إلى حين اكتماله، وإما يفرج عنه أو يحال إلى المحكمة المختصة بحسب الجرم المنسوب إليه".

ورأى الهادي أنه "يفترض بالنائب العام، بعد توجيه الشكوى إليه، مخاطبة الجهة الأمنية التي اعتقلت الشخص، فتحيله إلى القضاء أو تخلي سبيله". أما في ما يتعلق بالاعتقالات لأشهر أو سنوات، فاعتبرها "غير قانونية، لأنها لا تُنفذ  بقرار قضائي، بل هي أوامر صادرة عن أجهزة المخابرات، من دون معرفة التهمة، أو محاكمة وحق للدفاع".

ومن آليات الكشف عن مصير المعتقلين والمغيبين قسراً غير القانونية، ما تحتفظ به ذاكرة المعتقلين المُفرج عنهم. فكانوا يحفظون الأسماء وأرقام الهواتف أو العناوين لمن يقابلونهم داخل المعتقلات. وكان بعض المُفرج عنهم يخشون من التواصل مع ذوي المعتقلين، وفي أحيانٍ أخرى لا ينجحون في الوصول إليهم، إما بسبب تدمير مناطق تواجدهم أو انتقالهم منها، بحسب ما أفاد عدد من المفرج عنهم.

كما شكلت صور الضحايا، التي سرّبها  عسكري منشق عن القوات النظامية عام 2013، أطلق عليه لقب "قيصر"، واحدة من أدوات الكشف عن مصير المفقودين. إذ قدم 55 ألف صورة متعلقة بوفاة 6786 شخصاً داخل المعتقلات السورية. بالإضافة إلى فيديوات وصور المجازر والإعدامات الميدانية والمقابر الجماعية، وإن كانت الأخيرة تحتاج إلى خبرات وإمكانات لكشف هوية الجثامين الموجودة فيها.

وفي مناطق شمال شرق سوريا، الخاضعة لسيطرة "قوات سورية الديمقراطية – قسد"، لا يوجد آليات قانونية لكشف مصير المعتقلين، الذي تنفذه  سلطة الأمر الواقع. فيلجأ ذوو المخفيين قسراً غالباً إلى الوجهاء ورجال الدين لمعرفة مكان الاحتجاز. وفي الخطوة الثانية، قد تصل إلى معرفة سبب الاعتقال، لكنها غالباً غير دقيقة، بحسب محامية تعمل في المنطقة فضلت عدم الكشف عن هويتها.

وأشارت المحامية إلى  "إنشاء مكتب خاص بالمعتقلين في مقر الأسايش، لتقديم معلومات عن مكان احتجاز المعتقل والتهم الموجهة إليه، إلا أنه بقي شكلياً ولم يُفعّل".

أما عن شمال غرب سوريا، الخاضع لسيطرة "هيئة تحرير الشام" وفصائل "الجيش الوطني"، فأوضح  ناشط مدني يقيم في ريف حلب، طلب عدم الكشف عن هويته، أنه"لا يوجد قوانين ولا إجراءات معتمدة، أو جهات أو كيانات يمكن التوجه إليها لتقديم بلاغ عن شخص اختفى أو اعتقل، بل يلجأ ذووه إلى وسائل التواصل الاجتماعي وكتابة منشور حول اختفائه. إذ يمكن أن تتفاعل الدائرة المحيطة به، عبر علاقات شخصية مع فصائل أو شخصيات عامة، بحثاً عن معلومات تبين مصيره".

ولفت الناشط إلى "إمكانية  التمييز بين مناطق سيطرة الهيئة في إدلب وريفها، وبين مناطق فصائل الجيش الوطني. ففي الأولى، هناك مركزية في القيادة تنحصر فيها أي عملية اعتقال أو إخفاء قسري، وتتحول عملية الاعتراف بها إلى مسألة قرار مركزي. أما في الثانية فهناك عشوائية، وقد يعتقل  فصيل أشخاصاً غير  مرتبطين بوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة. وفي بعض  الحالات لا تُعرف الجهة المنفذة، لتنحصر الآلية بالعلاقات الشخصية ومعرفة مجموعات المنطقة فقط.

تجارب دولية

تملك تجارب الكشف عن مصير المفقودين خصوصية الدولة والنزاع الدائر فيها، وإن كانت الأفكار أو الإجراءات العامة متقاربة، إلا أن التفاصيل تختلف، لجهة شكل النزاع والأطراف الفاعلة فيه، والجهة المعتمدة للإجراء، والصلاحيات الممنوحة لها، ومدى إلزامية توصياتها وإجراءاتها.

لجان التحقيق

تعتبر لجان التحقيق، بحسب "اللجنة البحرينية لتقصّي الحقائق" "هيئات غير قضائية لتقصّي الحقائق، تنشأ في أعقاب نزاع ما لتوفير سرد للأحداث التي وقعت خلال فترة/فترات معينة من الاضطرابات. وتصدر لجان التحقيق المُشكّلة عادةً تقريراً نهائياً لتقصّي الحقائق في ختام تحقيقاتها، الذي يتضمن تحديد المسؤوليات وصياغة التوصيات. وتخوّل لجان التحقيق عموماً مجموعة من السلطات تبعاً لسياقها وتشترك جميعها في الالتزام بتقصّي الحقائق ومساعدة المجتمعات على التعافي، وتنفيذ تحوّل ناجح بعد انتهاء الصراع".

وتعد الأرجنتين واحدة من أبرز الدول التي شكلت لجنة للكشف عن مصير المفقودين عام 1983، سميت: "اللجنة الوطنية للمفقودين في الأرجنتين". كانت ولايتها  محددة ومركزة على التحقيق في مصير ومكان وجود المفقودين، وحالات التعذيب التي وقعت خلال ثماني سنوات من العنف الذي رعته الدولة في ظل حكم الدكتاتور العسكري خورخي فيديلا. وقدمت تقريراً من 50 ألف صفحة بعنوان "لن يتكرر هذا أبداً" عام 1985، حدد 365 مركز اعتقال سريًّا، وأسماء تسعة آلاف مخفي قسراً.  وفي أعقاب إصداره، حُوكم  تسعة من كبار القادة العسكريين، وصدرت قوانين عدة تمنح التعويضات للناجين، وأُسر من لقوا حتفهم.

ومن التجارب العربية، كانت اللجنة الأولى "هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية" عام 2004، التي شكلها ملك المغرب محمد السادس للتحقيق في حالات الاختفاء والعنف الذي ترعاه الدولة، واستمر  فترة 43 عاماً. وعلى الرغم من تقديمها  تعويضات مالية إلى 9799 شخصاً من المتضررين، إلا أنها لم تُعطَ الصلاحية للكشف عن هوية المتورطين من موظفي الدولة، أو إجبار الأفراد على الشهادة في أي من جلسات الاستماع العامة السبع التي نظمتها. وفي تقريرها النهائي، حددت عدد المخفيين قسراً  البالغ 742، ووصفت أساليب التعذيب التي استخدمتها  السلطة.

أما في ليبيا، فشكل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2011، لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق في البلاد. وطلب المجلس من اللجنة التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي ولحقوق الإنسان في الجماهيرية العربية الليبية، وإثبات وقائع وملابسات الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت. كما طلب من اللجنة تحديد الأفراد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء الجماهيرية إن أمكن. وكلفها  بتقديم توصيات لضمان محاسبة المسؤولين. وقدمت اللجنة نتائج واقعية، وعرضت توصياتها على حكومة الجماهيرية العربية الليبية والمجلس الوطني الانتقالي.

توصيات

  1. تشكيل لجنة تقصٍّ تضم شخصيات سورية مشهوداً لها بالكفاءة والموضوعية والسمعة الحسنة، مفوضة بصلاحيات واسعة للوصول إلى المعلومات وأماكن الاحتجاز، وسماع الشهادات وتحديد المسؤولين وتحويل الملفات إلى القضاء، وعقد المصالحات والمسامحة، ووضع صيغ التعويضات المادية والمعنوية المناسبة.
  2. التفاوض مع جميع الأطراف الفاعلة للتعامل بإيجابية مع ملف الكشف عن مصير المخفيين قسراً، وقبول التعاون مع المنظمات والجهات العاملة على الملف.
  3. إيجاد بيئة تشريعية وقانونية داعمة وملزمة لأطراف النزاع للكشف عن مصير المخفيين.
  4. العمل على خلق شبكات مدنية تضم المؤسسة الأخيرة للأمم المتحدة، والصليب الأحمر، ومختلف المنظمات، للانخراط في عمليات بناء الثقة مع ذوي المعتقلين وجمع المعلومات، وإيجاد الصيغ القانونية لذلك.
  5. يعتبر إنجاز الحل السياسي للأزمة السورية على أساس القرارات الأممية، وعلى رأسها القرار 2254، من أهم العوامل الداعمة لحل أزمة المعتقلين والمخفيين قسراً.
  6. دعم عائلات المخفيين قسراً والمعتقلين، وتمكينهم اقتصادياً وقانونياً.
  7. مواصلة حملات المناصرة والحشد، لتكون أداة ضغط سلمية على أطراف الصراع الداخلي والحكومات المتدخلة في الملف السوري.
  8. اعتماد الإعلام والحوار كأدوات مناصرة، وتوجيه الدعم المناسب لتعزيز دور الإعلام المدني.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.