توقف مصفاة "سامير" وتحديات تدبير المخزون الطاقي في المغرب

تمت كتابة الورقة هذه ضمن إطار البرنامج التدريبي ”السياسة العامة والمواطنة الفعالة“، وهو أحد ركائز مشروع مبادرة الإصلاح العربي حول ”تعزيز التحليل النقدي للسياسات“. ويهدف البرنامج التدريبي إلى تعزيز البحوث الخاصة بالسياسات العامة والقائمة على الأدلة من خلال تزويد الباحثين/ات الصاعدين/ات بالأطر النظرية والمهارات الفنية لتمكينهم من كتابة أوراق السياسات.

مقدمة

تَعزَّز الطابع التشاركي في وضع وتتتبع وتقييم السياسات العامة في المغرب منذ نهاية عقد التسعينيات، عبر الإشراك المتزايد للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في تشخيص المشاكل العامة، وبلورة بدائل تشاركية لحلها. وهو المسار الذي سيصبح أكثر مأسسة بعد دستور عام 2011 الذي أكد على تجسير العلاقة بين السلطات العمومية والفعاليات المجتمعية. لكن الممارسة العملية تؤشر إلى إشكالات عدة تعتري تفعيل آليات التشاور والتشارك، ناهيك عن وجود مجالات دولتية (Étatiste)، قلَّما يُسمح فيها بإعمال أي شكل من أشكال التشارك أو حتى التجاوب في بعض السياسات القطاعية، كما هو الحال مع المجال الطاقي الذي يُحاط غالباً بطابع سيادي، يجعل تدبيره حكراً على الأجهزة البيروقراطية. لكن الإغلاق المفاجئ للمصفاة الوحيدة لتكرير البترول في المغرب وتأثيره على السيادة الطاقية (La souveraineté énergétique) سيبرز بشكل ملموس الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا النهج،  خصوصاً في ظل تنامي ديناميات الحراك الاجتماعي الذي قادته في الأصل المجموعات المهنية المتضررة من قرار الإغلاق، قبل أن تلتف حول مطلب إعادة تشغيل المصفاة عدة فعاليات سياسية واجتماعية، شكّلت تحالفاً نوعياً، سيشكّل عنصراً ضاغطاً لإدراج المشكلة ضمن الأجندة الحكومية.

تسعى هذه الورقة إلى رصد مساعي أصحاب المصلحة في سبيل بناء رواية شعبية مناقضة للسردية الحكومية عبر تتبع مراحل تعيين المشكلة، وسياقات ودوافع تحولها من مشكلة "فئوية" إلى مشكلة اجتماعية فمشكلة عامة ترخي بظلالها على السلطة والمجتمع، مع تحليل سيرورات تأطير وتبرير المشكلة من لدن المُتحمِّلين بها (entrepreneurs de cause)، ومدى فعالية آليات الحشد في انتشار المشكلة ونجاحها في تعبئة الفاعلين وإثارة انتباه المسؤولين، كما تبيان نسق الحجج المتحكم في اقتراح التوصيات اللازمة لحلها في مواجهة الحلول الحكومية.

لهذه الأسباب، اعتُمد على مدخل تحليل السياسات العامة بالنظر إلى أهميته في تتبع تقاطعات الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في "فبركة" المشكلات العمومية.1Érik Neveu, l’analyse des problèmes publics un champ d’étude interdisciplinaire au cœur des enjeux sociaux présents, idées économiques et sociales, n° 190, décembre 2017, p.8. إذ سنركز في رصد مسارات تحديد مشكلة تدبير المخزون الطاقي عقب إغلاق مصفاة سامير، على تتبع الأداء الخطابي للفاعلين، في ضوء التصريحات والبيانات والوثائق الرسمية الصادرة عن السلطات وعن أصحاب المصلحة، مع تحليل منطق تطورها والرهانات المتحكمة في صياغتها، وحدود تأثيرها في تمثل المشكلة المطروحة ومداخل حلها.

مصفاة "سامير" لتكرير البترول: سياقات الإغلاق وتبعاته

بدأت المسألة كمشكلة خاصة بالعمال السابقين في الشركة المغربية، مجهولة الاسم، للصناعة والتكرير المعروفة اختصاراً بـ"سامير" (Société Anonyme Marocaine de l'Industrie du Raffinage (SAMIR، بعدما توقفت عن الإنتاج في آب/غشت 2015. وأفضى النزاع بين مالكي الأسهم والدولة إلى إدخالها إلى مسطرة التصفية القضائية (liquidation judiciaire) منذ 21 آذار/مارس 2016 بعدما تجاوزت ديونها سقف الـ4.4 مليارات دولار في نهاية عام 2014، بسبب الإفراط في الاستدانة أمام تراجع الإنتاج منذ إدخال غالبية أسهم الشركة إلى القطاع الخاص عام 1997.2مطالب في المغرب برفع العقبات من أمام استئناف عمل مصفاة "لاسامير"، شبكة الجزيرة، 24 تموز/يوليوز 2023. متاح على: https://bit.ly/45kY2Qp وبدأت تتحول تدريجياً إلى مشكلة اجتماعية مرتبطة بملفات وقطاعات متشعّبة ترخي بظلالها على الدولة والمجتمع، لتُسفر ديناميات الترافع عن تحويلها إلى مشكلة عامة مطروحة على مختلف الأجندات السياسية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن ارتداداتها الدولية في سياق الارتفاع الصارخ لأسعار المحروقات، وعدم كفاية المخزون الوطني لمواجهته. إذ اعتبر مجلس المنافسة في تقريره الصادر في شباط/فبراير 2019، أن غياب أي مصفاة وطنية فاقم من الفاتورة الطاقية، ووضع المغرب في حالة من التبعية المزمنة للخارج (dépendance chronique)3Avis du Conseil de la Concurrence n° 1/A/19 du jeudi 14 février 2019, p.13. consulté le 20 août, 2023.  https://bit.ly/3QSSkRh . كما وصفت الوكالة الدولية للطاقة (AIE) إغلاق المصفاة بأنه خطأ استراتيجي نتج عنه ارتفاع مهول في الفاتورة الطاقية للبلاد، في ظل ظروف حرجة تتسم بتفاقم مخاطر سلسلة التوريد.4Younes Saoury, La fermeture de la SAMIR serait une erreur stratégique” selon l'Agence internationale de l'énergie. TELQUEL. 14 mai 2019. consulté le 27 Juillet, 2023. https://bit.ly/3soVban هذه التقارير الوطنية والدولية عززت موقف أصحاب المصلحة، ومنحت مصداقية أكبر لخطابهم.

في تعيينهم للمشكلة، اعتبر عمال الشركة، المُنضوون تحت لواء الكونفدرالية الديموقراطية للشغل (CDT)، أن إغلاق مصفاة "سامير" لتكرير البترول في مدينة المحمدية لم يراعِ رهانات السيادة الطاقية للمغرب في خضم تحولات دولية تُنذِر بتفاقم أسعار المحروقات. فبحسب تقديرات الأطر التقنية للشركة، تبلغ سِعة تخزين المصفاة ملياري طن، فيما تكفي قدرتها التكريرية لإنتاج 10 ملايين طن من المنتجات النفطية سنوياً، ما يكفي لتغطية 67 في المائة من احتياطيات المغرب من المشتقات النفطية (الديزل، البنزين، زيت الوقود، وقود الطائرات، الإسفلت)، إضافة إلى قدرات تخزينية لمدة 71 يوماً من هذه المواد، المدة التي تقلصت إلى 20 يوماً إثر توقف المصفاة عن العمل.5Saeeda malih, SAMIR refinery: The pride of Moroccan industry turns into a financial disaster, raseef22. 20 January 2023. accessed on 09/08/2023, available at: https://bit.ly/3E8cTRZ فضلاً عن ذلك، أثر قرار الإغلاق على الوضع الاجتماعي بالتخلي عن كتلة عمالية مهمة كانت تعمل في المصفاة، وأصبحت في وضعية بطالة مزمنة، ومن ضمنها مهندسون متمرسون كان يمكن الاستفادة من خبراتهم في تعزيز حكامة تدبير المخزون الوطني من النفط.

في سياق التأطير العام للمشكلة (Cadrage)، انبرى أصحاب المصلحة إلى كشف الخلفيات التي كانت وراء "تصفية" المصفاة الوحيدة في المغرب. واعتبروا أن ضعف مردودية مصفاة "سامير" الذي استُخدم مشجباً لإغلاقها لا يرتبط بأسباب اقتصادية، باعتبار الاستثمار في هذا القطاع مربحاً جداً ويَعِد بقيمة مضافة عالية، بل يرجع إلى أسباب إدارية في ظل محدودية أنظمة الحكامة التي كانت وراء تراكم الدُّيون. ناهيك عن العامل السياسي المتمثل في خصخصة قطاع استراتيجي كان يُفترض أن يبقى محل احتكار من الدولة بحكم موقعه الحيوي في منظومة الأمن الطاقي للبلاد، وبالنظر إلى حاجته إلى نموذج تدبيري يتجاوز الأرباح الآنية إلى استيعاب المصالح الاستراتيجية للمغرب.

مبررات إعادة تشغيل المصفاة: السردية الرسمية والسرديات المضادة

اعتبرت الهيئات المعنية بحل المشكلة أن إعادة فتح الوحدات الإنتاجية لمصفاة التكرير يعد إجراءً مستعجلاً لمواجهة الطفرة غير المسبوقة في أسعار المواد الطاقية، إذا وُفّرت الشروط الضرورية لإعادة تشغيلها، وعلى رأسها إدخال أصولها إلى الدولة وتنظيم أسعار المحروقات، إذ ستمكّن المصفاة من توفير الاحتياطات الضرورية من النفط ومشتقاته. فيُرتقب أن تسمح بتأمين 50 في المائة على الأقل من السلَّة الطاقية (panier énergétique) ،6Madeleine Handaji. SAMIR : Le Maroc peut-il exploiter la location et les bas prix du pétrole pour sauver la raffinerie ? 29 mai 2020. Moroccoworldnews. consulté le 13 août, 2023. https://bit.ly/47JGFdo ما يعني توفير هوامش مالية مهمة بشراء مخزون خام في لحظات انخفاض الأسعار. إذ اعتبر منسق الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة الوطنية "سامير" المهندس الحسن اليماني، أن هذه الأخيرة تتوفر على طاقة تخزينية تناهز مليوني متر مكعب تفوق تلك المتوفرة لدى شركات التوزيع الـ22 مجتمعة، ومن شأن تشغيلها من جديد أن يمكّن المغرب من تعزيز احتياطه الاستراتيجي، وضمان التزود المنتظم أمام الاضطراب الذي تعرفه أسعار المشتقات البترولية7أحمد بلحميدي، وسط انخفاض أسعار البترول... هذا ما يخسره المغرب جراء توقف "سامير". أحداث أنفو. الأربعاء 22 نيسان/أبريل 2020. متاح على: https://www.ahdath.info/ampArticle/53940 .

سعى أصحاب المصلحة في تبريرهم لتبعات المشكلة (Justification) إلى تفكيك السردية الرسمية، بانتقاد تصريحات الحكومة الرافضة لخيار إدخال المصفاة للدولة في سياق التبخيس من قيمة المصفاة، والتشكيك في قدرتها التنافسية والإنتاجية خدمةً لرهان لوبي المحروقات الذي وجد ضالته ضمن متغيرين ساعداه على إطلاق يده في التلاعب بأسعار المواد الطاقية: إغلاق آخر مصدر للتخزين العمومي للنفط، وتحرير أسعار المحروقات من دون توفير الحد الأدنى من التنافس النزيه وحماية حاجيات المستهلكين. كما أن ادعاء الحكومة بأن القضية بيد السلطة القضائية يعد تهرباً من المسؤولية السياسية من ملفٍ حساس يشكل حجر الرحى في مجال السيادة الوطنية في المجال الطاقي، مقارنةً بدول أخرى كالسنغال التي حافظت على مصفاتها الوطنية على الرغم من تقلبات السوق والمنافسة الدولية. والمحصلة أن الشركة الإفريقية للتكرير (SAR) تُؤَّمن حالياً حاجيات السنغال من البنزين والغازوال، وتحمي البلاد نسبياً من مضاربات سوق المحروقات، ما يجعل من إعادة تشغيل المصفاة مطلباً مستعجلاً للتخفيف من ضغط استيراد الوقود. فبعد توقف المصفاة بات المغرب يستورد كل المشتقات النفطية المكررة.

استندت رواية المتضررين على تدابير حكومية سابقة عدة لاتهامها بخدمة لوبي المحروقات على حساب الاقتصاد الوطني. إذ أُوقفت وحدات التكرير لشركة "سامير" خلال شهر آب/ غشت 2015، قبل شهرين فقط من الأجل المحدد للتحرير الكامل لأسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ في شهر كانون الأول/دجنبر 20158رأي مجلس المنافسة حول مشروع قرار الحكومة بشأن تسقيف هوامش ربح المحروقات السائلة، 2019. ص 17. . كما عرفت هذه المرحلة تجميد دور مجلس المنافسة، كهيئة حكامة عليا مكلفة بمحاربة المضاربات والاحتكارات وزجر كل إخلال بالمنافسة الشريفة وإضرار بحقوق المستهلك. وهي مؤشرات اعتبر أصحاب المصلحة أنها تعبر عن محاباة من الحكومة لمركبات المصالح على حساب المصالح الاقتصادية للمغرب.

استراتيجية الحشد ورهانات تحويل معضلة المصفاة إلى مشكلة عامة

عملت الأطراف المتضررة من إغلاق شركة "سامير" على توظيف مختلف وسائل الترافع والتعبئة لحشد الدعم الشعبي (Popularisation)، عبر التركيز على الفئات المتضررة ودفعها إلى إسناد ديناميات الضغط على السلطات العمومية لإعادة تشغيل المصفاة:

  • الشارع: تنظيم وقفات احتجاجية بشكلٍ مستمر، مع اتساع نطاقها وتزايد حجم مطالبها خلال السنتين الأخيرتين، في ظل الارتفاع المهول لأسعار المحروقات. إذ نظمت اللجنة المحلية لمتابعة أزمة "سامير" - التي تتألف من مهنيين سابقين في المصفاة ونشطاء مدنيين - وقفة احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية في المحمدية في 20 حزيران/يونيو 2022، للتنديد بغلاء أسعار المحروقات وما خلّفه من تداعيات على المعيشة اليومية9شيماء بخساس، وقفة احتجاجية في المحمدية ضد غلاء أسعار المحروقات ومطالب بتشغيل "لاسامير"، اليوم 24، 20 حزيران/يونيو 2022. متاح على: https://alyaoum24.com/1690883.html . كما نظمت الجبهة الاجتماعية المغربية (FSM) -التي تتألف من عشرات التنظيمات السياسية والنقابية والمدنية والمهنية- بتاريخ 23 نيسان/أبريل 2022 وقفة احتجاجية للمطالبة بالتعجيل باستئناف أنشطة المصفاة في ضوء تبعات إغلاقها الخطيرة.. وشهد عام 2023 ارتفاع إيقاع الاحتجاجات، فنظم الفرع المحلي للنقابة الوطنية للبترول والغاز مسيرة من باب الشركة إلى الطريق الساحلي في 21 آذار/مارس 2023، تزامناً مع الذكرى السابعة لإخضاع الشركة إلى التصفية القضائية بقرار صادر عن المحكمة التجارية للدار البيضاء عام 2016.10أنوار التازي، الجبهة الوطنية لإنقاذ "سامير": المصفاة قضية كل المغاربة ولا بد من استئناف تكرير البترول. أنوار بريس. في 4 نيسان/أبريل 2023. متاح على: https://bit.ly/45l3t1L
  • الفيسبوك: تنظيم حملات عبر موقع فيسبوك، فانتشرت عدة وسوم حول القضية منها (#شغِّلوا_سامير، #كلنا_سامير)، تزامنت مع إنشاء صفحات ومجموعات افتراضية للتعبئة من أجل حل المشكلة. كما شكل مطلب إعادة فتح المصفاة عنصراً مغذياً لحملة افتراضية واسعة، طالبت برحيل عزيز أخنوش (#أخنوش_ارحل، #dégage_akhanouche) مع تحميله مسؤولية الارتفاع الصاروخي لأسعار الغازوال والبنزين، بالنظر إلى تضارب المصالح بين كونه رئيس السلطة التنفيذية ومالك لغالبية الأسهم في شركة رائدة في قطاع المحروقات، تملك اليد الطولى في الجمعية المهنية لشركات المحروقات. وتزامنت الحملة الشعبية مع استطلاع رأي أجراه المركز المغربي للمواطنة، أظهرت نتائجه أن أكثر من 95 في المائة من المغاربة مستاؤون من التدبير الحكومي لملف ارتفاع أسعار المحروقات. وشكلت هذه المعطيات عنصراً مغذياً لحملة المطالبة لتوسيع نطاق التضامن، وعقلنة التحركات التي تنظمها.
  • الصحف: صدور العديد من المقالات حول الموضوع في شبكات وطنية ودولية تمتح تحليلاتها من معطيات أصحاب المصلحة. فحرصت خلايا التواصل في الحركة المطلبية على مد وسائل الإعلام بالمعطيات والوثائق التي تظهر وجاهة موقفهم في مواجهة الحكومة. وأبرزت مقالات عدة في صحف وشبكات دولية، أن أزمة المصفاة ترجع في المقام الأول إلى تراكم الأخطاء التدبيرية، وتنبه إلى ضرورة إنقاذ المصفاة لتقوية القدرات التخزينية للمملكة11El Mehdi Berrada, Samir : retour sur la plus grosse faillite de l’histoire du Maroc. Jeuneafrique. le 27 mai 2020. consulté le 22 août, 2023. https://bit.ly/3qL3KMi . مع كشف تداعيات تعطيل المصفاة الوحيدة في المملكة، وما نتج عنه من ترك البلاد فريسةً للاعتماد على واردات النفط المكرر وتقلبات أسواق النفط الدولية، وتبيان المبررات السياسية والاقتصادية لإعادة تشغيل المصفاة من منظور الخبراء والنشطاء النقابيين والمدنيين.12Noureddine Radouai, Calls rise to reactivate Morocco’s only refinery as oil prices soar, al-monitor. June 10, 2022, accessed on 23/08/2023, available at :https://bit.ly/3spkqJM كما صدرت مقالات عديدة على منصات إعلامية عربية اعتبرت - نقلاً عن مصادر برلمانية - أن المصفاة ما زالت قادرة حتى الآن على الإنتاج، وبشكلٍ تنافسي، ومن شأن تشغيلها من جديد أن يرفع المخزون الوطني للمحروقات بنحو 60 يوماً من الاستهلاك، ما سيشكل ضغطاً على "اللُّوبيات" المتحكمة في السوق لخفض الأسعار بنحو درهمين لكل لتر بالنسبة إلى الغازوال. 13عبدالمؤمن محو، لماذا لا يشغل المغرب مصفاته الوحيدة لتكرير البترول؟ سكاي نيوز عربية. 12 أيار/مايو 2022 متاح على: https://bit.ly/45ZPePV كما أظهرت مقالات أخرى أهمية الرهان على القدرات التخزينية العالية للمصفاة في تجنيب المغرب تقلبات أسعار الوقود وتحجيم التضخم.14مصطفى قماس، تحركات لإعادة تشغيل مصفاة سامير المغربية لتخفيف غلاء الوقود، العربي الجديد، 25 تموز/يوليوز 2022، متاح على:  https://bit.ly/45n2Ww3 وأصدرت منصة الطاقة العربية تقريراً نبهت فيه إلى أن مخزون المشتقات النفطية في البلاد تكفي لـ31 يوماً فقط، بينما ينص القانون على ضرورة توفير حد أدنى من مخزون المواد النفطية يكفي 60 يوماً، وأن تأميم المصفاة يمكن أن يساعد على تجاوز أزمة الوقود15ياسر نصر، إعادة إحياء مصفاة سامير قد تضع حلًاً لأزمة المحروقات في المغرب (تقرير)، منصة الطاقة. 07 آذار/مارس 2023، متاح على:  https://bit.ly/3PaA1Wz .
  • البحث: نشر أوراق علمية في دوريات ومنصات عالمية: كالدراسة المشتركة التي أنجزها خمسة باحثين من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، وجامعة "ساوباولو" البرازيلية، ومركز السياسات للجنوب الجديد "تحليل الآثار الاقتصادية والبيئية لإغلاق مصفاة "سامير" المغربية: مقاربة بين إقليمية للمداخل والمخرجات"، وكشفت أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن إغلاق المصفاة تقدر بـ66.57 مليار درهم، ما يمثل فقدان نسبة 4.4 في المائة من إجمالي إنتاج المغرب (الناتج الإجمالي الداخلي)، وفقدان 1.7 في المائة من القيمة المضافة، بسبب تأثيرها على منظومة صناعية متكاملة من القطاعات في مجموعة من المدن المغربية، في مجالات التجارة والنقل والأنشطة المالية والعقارات، وغيرها من الصناعات التحويلية.16Haddad, E. A., Araújo, I. F., Chawki, C., El-Mansoum, R., & Masnaoui, M. Analysis of economic and environmental impacts of shutting down the Moroccan Refinery Samir: An interregional input-output approach. Scientific African, 20, 2023.‏ accessed on 24/08/2023, available at: https://bit.ly/45nGPWg
  • الترافع لدى السلطات العمومية: تنظيم الجبهة الوطنية من أجل إنقاذ المصفاة الوطنية "سامير" (FNSS)، والعديد من الهيئات المدنية والنقابية، فعاليات ترافعية عدة في تتبعها للملف لدى الجهاز القضائي، عبر توجيه شكاوى إلى المحاكم. فلجأت الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى القضاء للبت في الأسباب المؤدية إلى تعطيل مصفاة "سامير"، مع المطالبة بالتحقيق في شبهة تبديد المال في الشركة باعتبارها استفادة من أشكال متعددة من الدعم العمومي، مع الدعوة إلى ملاحقة المسؤولين المتورطين في "تفالس" الشركة. كما مارست الجهات النقابية والمدنية ضغطاً متواصلاً على المحكمة التجارية في الدار البيضاء للتأثير في قرار التصفية القضائية للمصفاة.

إلى جانب ذلك، قُدمت ملفات مطلبية إلى الحكومة لدعوتها إلى تحمّل مسؤوليتها السياسية في ملف يتطلب إرادة سياسية، وكل تأخر في حله يضاعف الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتدبير أزمة المحروقات. كذلك الرد على التصريحات الحكومية، كتصريح وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في التلفزيون العمومي، التي قالت إن "إعادة تشغيل المصفاة لن يحل أزمة المحروقات في المغرب كونها لا تستجيب للمعايير الدولية من ناحية الطاقة التكريرية"، وإن "الحكومة بصدد بلورة حلول بديلة في ظل التحولات المستجدة، فهناك حاجة إلى قدرة تنافسية تفوق قدرة "سامير" بأربع مرات من ناحية قدرات الإنتاج والتقنيات ومعالجة البتروكيماويات".17فاطمة الزهراء غالم، تضارب تصريحات حول إغلاق مصفاة "سامير" يضع بنعلي في مرمى الانتقادات. العمق المغربي، 20 تموز/يوليو 2022. متاح على:  https://al3omk.com/764751.html وهو التصريح الذي لقي نقداً حاداً داخل البرلمان وخارجه، فطالب عدة سياسيين بإعفاء الوزيرة، ما دفعها إلى سحبه موضحةً أن وزارتها بصدد دراسة ستة سيناريوات لإعادة تشغيل المصفاة، من بينها بيعها لمستثمرين أجانب. وأكدت أنها ستراعي مصالح الدولة والعاملين وسكان مدينة المحمدية التي تحتضن تلك المنشأة، مشيرةً في الوقت نفسه إلى أن التكرير ليس من أولويات السياسة الطاقية للحكومة18Ayoub lahrech, Leïla Benali : Le raffinage de pétrole ne fait pas partie des piliers de la stratégie nationale de l’énergie, 18 juillet 2022. consulté le 24 août, 2023. https://bit.ly/3smbrJb . كما طالبت الجبهة الوطنية لإنقاذ "سامير" وزارة المالية، ووالي بنك المغرب، ورئاسة الهيأة المغربية لسوق الرساميل (AMMC)، بتوفير شروط إعادة تأميم المصفاة بشكلٍ يكفل حماية الأمن الطاقي للبلاد.19Safae Hadri, La SAMIR objet de toutes les surenchères : entre choix de société et réalité économique, le360. 16/06/2023. Consulté le 22 août, 2023. https://bit.ly/3ORcjx9

بموازاة ذلك، وُجّهت مذكرات إلى البرلمان، عبر مطالبة مجلس النواب بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول أسباب اللجوء إلى خيار التصفية القضائية وتوقيف شركة "سامير" عن الإنتاج، مع فتح تحقيق يفضي إلى ملاحقة المتسببين في ذلك، إضافةً إلى رسائل فردية إلى جميع أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين، لحثهم على دعم مقترح قانوني لإدخال أصول "سامير" إلى الدولة، وتنظيم أسعار المحروقات. وأثمرت هذه الجهود بعض التجاوب من البرلمانيين، بتوجيه أسئلة كتابية وشفوية من نواب الأمة إلى الوزراء المعنيين للمطالبة بإعادة فتح المصفاة ، نظراً لدورها الحيوي في تعزيز السيادة الطاقية للبلاد، ومساهمتها في مدّ الخزينة العامة بملايين الدراهم على شكل رسوم وضرائب. كما برزت ديناميات تشريعية عدة في هذا الخصوص، بتقديم أعضاء مجموعة الكونفدرالية الديموقراطية للشغل في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية) مقترح قانون يتعلق بإدخال أصول الشركة المغربية لصناعة التكرير "سامير" إلى حساب الدولة تضمّن المطالب نفسها.20مقترح قانون يتعلق بتفويت أصول شركة سامير في طور التصفية القضائية لحساب الدولة المغربية، مجلس المستشارين، رقم التسجيل 05 بتاريخ 05/01/2021. متاح على:  https://bit.ly/44oYAn0 كما قدم ممثلا فدرالية اليسار في مجلس النواب (الغرفة الأولى) عمر بلافريج ومصطفى الشناوي في 8 شباط/فبراير 2021، مقترح قانون لتجاوز الاختلالات المسجلة في توفير المخزون القانوني من المواد البترولية لضمان الأمن الطاقي للمغرب.21مقترح قانون يتعلق بإدخال أصول شركة سامير في طور التصفية القضائية لحساب الدولة المغربية، مجلس النواب، رقم التسجيل 255 بتاريخ 08/02/2021. متاح على:  https://bit.ly/3smchWl ويبرز التطابق بين عنوان وخلفيات ومضامين المقترحين، الدور الريادي للجنة القانونية للجبهة المغربية لإنقاذ "سامير" في مد البرلمانيين بمشاريع نصوص تعبر عن رؤيتها لحل الملف.

كما أثار نشر لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في مجلس النواب في شباط/فبراير 2018 لتقرير تركيبي للمهمة الاستطلاعية حول أسعار بيع المحروقات السائلة للعموم، وشروط المنافسة بعد قرار التحرير، نقاشاً عمومياً موسعاً حول عوامل تفاقم أزمة تأمين المحروقات، مع التركيز على تأثير توقف مصفاة "سامير" التي كانت الشركة الوحيدة المستوردة للنفط الخام.22التقرير التركيبي للمهمة الاستطلاعية للجنة المالية والتنمية الاقتصادية حول أسعار بيع المحروقات السائلة للعموم وشروط المنافسة بعد قرار التحرير. مجلس النواب، 28 شباط/فبراير 2018، متاح على:  https://bit.ly/3OIjurk

  • التواصل مع الأحزاب السياسية: بادرت بعض الأحزاب إلى إصدار بيانات شجب لتلكؤ الحكومة في حل مشكلة شركة "سامير". فأشار حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) إلى أن توقيف العمل بالمصفاة، فضلاً عن آثاره الاقتصادية، أثر أيضاً على وضعية آلاف العمال وعلى الوضع الاجتماعي في مدينة المحمدية بشكلٍ عام. واعتبرت فدرالية اليسار الديموقراطي (FGD‎) أن إعادة تشغيل المصفاة ضرورة مستعجلة لضمان الأمن الطاقي للبلاد، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، بحكم التأثير المباشر والكبير لارتفاع أسعار المحروقات على المواد المعيشية.

من خلال تتبع استراتيجية الحشد المتبعة، يتبين أنها تتميز بعدة نقاط قوة. فهي متنوعة، لم تدع باباً إلا وطرقته من وسائل الإعلام إلى منصات القرار. وهي تراكمية، إذ يعكس التطور التدريجي لمدى الانتشار وجود رؤية متماسكة لدى الحركة المطلبية للتحكم في آليات التسويق بما يكفل توجيهها لخدمة المطالب. كما أنها تتسم بطابع حجي لافت، إذ شكلت بيانات وتصريحات الهيئات التي تقود الحراك المطلبي، مادة دسمة للنقاش والتقاسم بفضل المعطيات التقنية والمواقف المبررة التي تخلق انطباعاً لفهم أصحاب المصلحة لجذور المشكلة وامتداداتها.

لكن في المقابل، ثمة نقاط ضعف اعترت سيرورة الحشد، لعل أبرزها تأثيرات الخطاب النقابي الذي كان يحصر المطلب غالباً في وضع حل لمشكلة العاملين السابقين في الشركة، ما حدّ من المدى المجتمعي للمشكلة. ناهيك عن محدودية الانفتاح على مختلف الهيئات، بغض النظر عن خلفياتها الفكرية والسياسية وعن طبيعة علاقاتها بالحكومة، ما فوّت فرصاً سانحة للانتشار والتأثير.

ارتباط مصير المصفاة بحل مشكلة المحروقات من منظور أصحاب المصلحة

أسفرت مختلف الفعاليات التي نظمتها المجموعات المتضررة عن توصيف لحجم وحدود المشكلة، على نحوٍ جعل هذه القضية تدخل ضمن الأجندة السياسية للحكومة (Mise en politique publique)، مع اقتراح حزمة من الحلول البديلة. ومن خلال رصد مجمل النصوص والبيانات، يمكن تجميع حزمة الحلول التي أوصت بها الحركة المطلبية على مختلف المستويات السياسية والتشريعية والتدبيرية والمالية:

  • على المستوى السياسي: إعادة تشغيل المصفاة يمكن أن يسهم في حل معضلة المحروقات في حال تجاوز المقاربات التقنية نحو رؤية سياسية متكاملة، تقوم على بلورة سياسة عامة واضحة ومستقرة في مجال تكرير البترول. ويعتبر تشجيع الاستثمارات في مجالات التخزين مسألةً حيويةً بالنسبة إلى بلدٍ يستورد 90 في المائة من احتياجاته من الطاقة. كما أن إعادة تأميم القطاعات الاستراتيجية، لا يتعارض مع نهج الليبرالية الاقتصادية، على غرار ما تفعل عدة دول شريكة للمغرب. إذ استشهد الخبير الاقتصادي مصطفى ملكو بفرنسا في سعيها لتملك قرارها في مجال الطاقة، بإعادة تأميم شركة الكهرباء (EDF) التي تمتلك فيها الدولة 84 في المائة من الرأسمال، عبر شراء 16 في المائة من الأسهم بـ9,7 مليارات دولار.23مصطفى قماس، تحركات لإعادة تشغيل مصفاة سامير المغربية لتخفيف غلاء الوقود، مرجع سابق.

إلى جانب ذلك، يقتضي المدخل السياسي للمشكلة مراجعة وتحيين الاستراتيجية الوطنية للنفط، التي أعلن عنها ملك البلاد عام 2004، الداعية إلى تطوير صناعات التكرير وتثمينها عبر تأهيل وحدات التخزين والتصفية وربطها بالصناعات البتروكيماوية، وفق منظور متجدد لمتطلبات السيادة الطاقية، يقوم على توسيع القدرات التخزينية الوطنية، مع إعادة النظر في نظام المقايسة في ضوء الآثار الاجتماعية لارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للمواطنين، والقدرة التنافسية للمقاولات، من خلال الرجوع إلى الصيغة السابقة لتقنين أسعار المحروقات، عبر تسقيف أرباح شركات التوزيع، وسن تخفيضات وإعفاءات ضريبية في مجال المواد الطاقية لتخفيف الضغط الجبائي خصوصاً الضريبة على القيمة المضافة.24Salaheddine Lemaizi, La SAMIR : Les huit revendications du Front de sauvegarde. ENASS, 1 Août 2023. consulté le 24 août, 2023. https://bit.ly/3P9IYzn

  • على المستوى التشريعي: في ضوء تبعات خصخصة شركة "سامير" وغيرها من المقاولات العمومية ذات الطابع الاستراتيجي، يتعين وضع إطار تشريعي واضح لتقنين خيار الخصخصة وتأطيره بضمانات وشروط لحماية الاقتصاد الوطني، وللحيلولة دون إدخال القطاعات الاقتصادية الحيوية إلى القطاع الخاص. واستناداً إلى الخلاصات التي بلورها برلمانيون، وأمام عدم تجاوب الحكومة مع مقترحات القانون المقدمة، دُعيت السلطة التنفيذية إلى إعداد مشروع قانون لإدخال مصفاة "سامير" إلى الدولة وفق كيفيات تبين الأجندة الزمنية والمالية والتدبيرية الكفيلة بتسريع عمليات إعادة تشغيلها. وفي سياق الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية منذ إصدار القانون الإطار رقم 50.21،25القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.89 في 15 ذي الحجة 1442 (26 تموز/يوليو 2021) جريدة رسمية عدد 7007، ص 5687.  متاح على: https://bit.ly/47OZA6T نادت الجهات المطالبة بإدراج "سامير" كمقاولة عمومية ضمن المقاولات والمؤسسات العمومية الاستراتيجية التي تشرف عليها الوكالة الوطنية لتدبير مساهمات الدولة لتثمين مواكبتها في تحقيق التوازن المالي، وتدعيم مساهمتها في إنتاج الثروة الوطنية.
  • على المستوى التدبيري: ستبقى التشريعات والسياسات قاصرة عن بلوغ الرهانات المرجوة ما لم تُسن تدابير إجرائية ذات طابع مستعجل، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز الدور الرقابي لمجلس المنافسة كهيأة ضبط متخصصة في مراقبة مدى انضباط السوق لمتطلبات المنافسة. الأمر الذي يفرض تحويل المجلس من لعب دور الواعظ، إلى أداء دور رادع لكل الممارسات المضرة بحقوق المستهلكين ومصالح الاقتصاد الوطني، مع إعادة هيكلة شركة "سامير" من الناحية التنظيمية، عبر تجديد بنيتها المادية وتثمين الممتلكات وصيانة المعدات التي تتوفر فيها. يضاف إلى ذلك، تثمين الموارد البشرية للمصفاة باسترجاع المئات من مناصب الشغل، مع معالجة الأوضاع الاجتماعية للعمال الرسميين المحرومين من التقاعد ومن الأجور الكاملة على الرغم من استمرار سريان عقود العمل.26Salaheddine Lemaizi, La SAMIR : Les ouvriers face au lobby pétrolier. 23 Février 2023. Enass. consulté le 20 août, 2023. https://bit.ly/3qIprMT
  • على المستوى المالي: تطبيقاً لخيار التأميم، يتعين شراء المصفاة من قبل الذراع المالي للدولة: الصندوق الوطني للإيداع والتدبير (CDG) بقيمة 21,5 مليار درهم، كما حددتها المحكمة التجارية لمدينة الدار البيضاء، على اعتبار أن 80 في المائة من أصول الشركة (16 مليار درهم) هي ملكية دائنين عموميين، خصوصاً إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة (13 مليار درهم)،27Jihane Rahhou, SAMIR Oil Refinery: Morocco’ Government ‘Hopeful’ to Reach Solution .Apr. 21, 2023. Moroccoworldnews. accessed on 11/08/2023, available at: https://bit.ly/47HlTLv ما يعني أن القيمة الفعلية لاستعادة الملكية العمومية للمصفاة الوطنية لن تتجاوز 5 مليارات درهم، بحسب النقابة الوطنية للبترول والغاز، مع التفكير في إمكانية فتح استكتاب عمومي عبر سوق البورصة في وجه المواطنين والمغاربة المقيمين في الخارج لإنقاذ المصفاة من أزمتها.28Adama Sylla, La SAMIR. Le Front national pour la sauvegarde de la raffinerie propose une souscription publique via le marché boursier. challenge.ma, 30 Juillet 2023. consulté le 20 août, 2023. https://bit.ly/3YP294H

ولضمان إسهام المصفاة في التحكم في أسعار المحروقات، يتعين على صندوق محمد السادس للاستثمار ضخ استثمارات كبرى، باعتباره صندوقاً سيادياً منوطاً به إسناد المجهود الاستثماري العمومي في القطاعات الاستراتيجية، بما يمكّن من تقوية قدرات المصفاة وإعادة اندماجها في النسيج الإنتاجي الوطني، مع تثمين الأصول المالية للشركة، وتصفية التركة السابقة بشراء الديون وتصحيح توازنها المالي، وتعديل نموذج حكامة المالية للشركة. وتقدر النفقات المطلوبة لإعادة تشغيلها بكامل طاقتها بـ200 مليون دولار فقط، وهي لا تبلغ في جميع الأحوال كلفة إنشاء مصنع جديد بحسب بعض المسؤولين الحكوميين، إذ تُقدر الكلفة الإجمالية لإنشاء مصفاة جديدة بـ5 مليارات دولار. ووفق معطيات المكتب النقابي لعمال الشركة، سينتج عن تشغيل المصفاة عائد مالي مهم للخزينة العامة للدولة، أمام ارتفاع الأرباح الناجمة عن التكرير من 5 دولارات للبرميل إلى 20 دولاراً، ما سيمكّن من تحقيق ربح سنوي خام بقيمة 10 مليارات درهم، وربح صاف بقيمة 5 مليارات درهم، ما يعني أنه بالإمكان استرجاع مبلغ الدخل خلال 4 سنوات، وتغطية مصاريف الاستصلاح في السنة الأولى للاستغلال.29هذه أرباح تنتظر الدولة في حالة إعادة تشغيل المصفاة الوحيدة في المغرب، هسبريس، 5 حزيران/يونيو 2022، متاح على:  https://bit.ly/45peUp2

تملك الحلول المقترحة الكثير من الوجاهة عند مقارنة الترابط الوثيق بين تراجع المخزون الطاقي الوطني، على إثر توقف العمل بمستودعات "سامير"، وبين تزايد صعوبات التحكم في أسعار المحروقات وتراخي القبضة الحكومية على السوق الطاقية في المغرب. كما أن المقترحات المقدمة معززة في الغالب بمعطيات كمية تظهر العائد المالي المهم لخيارات التأميم وإعادة التشغيل، مع عقلنة واضحة في التوصيات لتغطي معظم المجالات، مع توقع المخاطر المحتملة والسنياريوات الملائِمة لمواجهتها.

لكن في المقابل، تتميز البدائل المصاغة بسماتٍ عدة تؤثر على صوابيتها وقدرتها على بناء حل متكامل ومُستدام للمشكلة. إذ يغلب الطابع المثالي على بعض المقترحات، خصوصاً في ما يتعلق بمسايرة الخيارات المُوصَى بها مع التحولات السياسية الجارية على الصعيدين الدولي والوطني. فخيار التأميم الذي يتم التعامل معه كعصا سحرية، أصبح متجاوزاً بالنسبة إلى الدولة في ظل التوجهات الجديدة للسياسات العامة في المغرب، التي تتجه نحو المزيد من الخصخصة وتعميق أواصر الشراكة مع القطاع الخاص.

خاتمة

على الرغم من الصعوبات التي تكتنف حصر الأجندة العمومية في المغرب، استطاع المتضررون من إغلاق مصفاة "سامير" إحداث اختراقات نوعية في وسائل الإعلام والاتصال، مكّنتهم من امتلاك مساحات معتبرة في المجال العام، ما ساعدهم على الخروج من عباءة "الخطاب الفئوي" الذي يدافع عن إعادة تشغيل المصفاة لصيانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأطر العاملة التي وجدت نفسها في حالة بطالة مزمنة. كما أدى التوظيف الفعال لشبكات التواصل الاجتماعي إلى تحويل المشكلة إلى قضية مجتمعية ترخي بظلالها على مختلف الفئات والقطاعات، طالما أن المصفاة كانت تؤمن جزءاً لا يستهان به من المخزوق الطاقي الوطني، الذي كان يساعد على التقليل من المخاطر الناجمة عن طفرة أسعار المحروقات. ووُظفت الأزمات الدولية التي أشعلت لهيب أسعار المواد النفطية بشكلٍ لافت للاستدلال على المسؤولية السياسية للحكومة في تبرير قرار الإغلاق والتلكؤ في تسريع الحلول اللازمة لإعادة التشغيل. كما نجحت الحملة في لفت انتباه الجمهور إلى التأثيرات المربكة لخصخصة القطاعات الحيوية على الاقتصاد الوطني وعلى جيوب المواطنين، مع تغذية النقاش حول خيار النقاش كمدخل لتعزيز السيادة الاقتصادية للمغرب في المجالات الحساسة كالغذاء والطاقة.

لكن في المقابل، لم تنجح الحملة بما فيه الكفاية في خلق جسور للحوار مع السلطات الحكومية، التي لم تتجاوب بالشكل المطلوب مع المطالب المتكررة الصادرة عن الهيئات المدافعة عن قرار إعادة تشغيل شركة "سامير". فلم تتفاعل الحكومة مع قرارات المحكمة التجارية في الدار البيضاء التي أصدرت ما يناهز 30 حكماً يقضي باستمرار النشاط في شركة "سامير"، كان آخرها الحكم الصادر بتاريخ 24 تموز/يوليو 2023.30الحسن اليماني، تصفية شركة سامير لتكرير البترول، المغرب 35، 6 آب/غشت 2023. متاح على: https://bit.ly/47M88uX كما أنها لم تبادر إلى شراء أسهم الشركة من المقاولات العمومية، بعد إطلاق المحكمة سالفة الذكر طلبات عروض متكررة لبيع الشركة، كان آخرها بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2023، إذ حُدد السعر الافتتاحي للبيع بملياري درهم، وعلى إثره تلقت 15 عرضاً لشراء المصفاة من مستثمرين أجانب. الأمر الذي اعتبره أصحاب المصلحة والمتحالفون معهم، مس بالأمن الطاقي المغربي. وعلى العكس من ذلك، إعادة تأميمها سيشكّل دعامةً قويةً للسياسة الطاقية بالتحكم في أسعار المحروقات، وفتح إمكانية تصدير المنتجات المكررة نحو إفريقيا.31سكينة الصادقي، استحواذ الأجانب على شركة سامير ينذر بالمس بالسيادة الطاقية المغربية، هسبريس، 5 آذار/مارس 2023. متاح على: https://bit.ly/44k3Acp

بغض النظر عن مدى صدقية الدفوعات الحكومية التي اعتبرت نفسها مُلزَمة بواجب التحفظ احتراماً لاستقلال القضاء، طالما أن القضية معروضة على المحكمة التجارية في إطار التصفية القضائية، ثمة مبررات مضمرة ترتبط بمحدودية انكشاف جدول الأعمال النظامي (L’agenda systémique). فأثبتت التجارب أن مناقشة القضايا الحساسة لا تحاط بالشفافية والتشاركية المطلوبتين، إضافة إلى أسباب أخرى مرتبطة بخلفية الجهات التي تقف وراء المطلب، على اعتبار أن النواة الصلبة للحركة المطلبية ترتبط بجهات نقابية وسياسية تنتمي إلى اليسار غير الحكومي. وبغض النظر عن رجحان الموقف الحكومي، فإن الهيئات المدافعة عن المطلب لم توسع دائرة الترافع خارج امتدادات "العائلة اليسارية". وكان بإمكان ذلك أن يغذي ديناميات الضغط لدى بقية النقابات والتيارات السياسية والمدنية من مختلف الحساسيات، وأن يرفع منسوب الثقة لدى الجهات الرسمية على نحو قد يفضي إلى بلورة حلول تفاوضية وتشاركية لهذه المشكلة.

Endnotes

Endnotes
1 Érik Neveu, l’analyse des problèmes publics un champ d’étude interdisciplinaire au cœur des enjeux sociaux présents, idées économiques et sociales, n° 190, décembre 2017, p.8.
2 مطالب في المغرب برفع العقبات من أمام استئناف عمل مصفاة "لاسامير"، شبكة الجزيرة، 24 تموز/يوليوز 2023. متاح على: https://bit.ly/45kY2Qp
3 Avis du Conseil de la Concurrence n° 1/A/19 du jeudi 14 février 2019, p.13. consulté le 20 août, 2023.  https://bit.ly/3QSSkRh
4 Younes Saoury, La fermeture de la SAMIR serait une erreur stratégique” selon l'Agence internationale de l'énergie. TELQUEL. 14 mai 2019. consulté le 27 Juillet, 2023. https://bit.ly/3soVban
5 Saeeda malih, SAMIR refinery: The pride of Moroccan industry turns into a financial disaster, raseef22. 20 January 2023. accessed on 09/08/2023, available at: https://bit.ly/3E8cTRZ
6 Madeleine Handaji. SAMIR : Le Maroc peut-il exploiter la location et les bas prix du pétrole pour sauver la raffinerie ? 29 mai 2020. Moroccoworldnews. consulté le 13 août, 2023. https://bit.ly/47JGFdo
7 أحمد بلحميدي، وسط انخفاض أسعار البترول... هذا ما يخسره المغرب جراء توقف "سامير". أحداث أنفو. الأربعاء 22 نيسان/أبريل 2020. متاح على: https://www.ahdath.info/ampArticle/53940
8 رأي مجلس المنافسة حول مشروع قرار الحكومة بشأن تسقيف هوامش ربح المحروقات السائلة، 2019. ص 17.
9 شيماء بخساس، وقفة احتجاجية في المحمدية ضد غلاء أسعار المحروقات ومطالب بتشغيل "لاسامير"، اليوم 24، 20 حزيران/يونيو 2022. متاح على: https://alyaoum24.com/1690883.html
10 أنوار التازي، الجبهة الوطنية لإنقاذ "سامير": المصفاة قضية كل المغاربة ولا بد من استئناف تكرير البترول. أنوار بريس. في 4 نيسان/أبريل 2023. متاح على: https://bit.ly/45l3t1L
11 El Mehdi Berrada, Samir : retour sur la plus grosse faillite de l’histoire du Maroc. Jeuneafrique. le 27 mai 2020. consulté le 22 août, 2023. https://bit.ly/3qL3KMi
12 Noureddine Radouai, Calls rise to reactivate Morocco’s only refinery as oil prices soar, al-monitor. June 10, 2022, accessed on 23/08/2023, available at :https://bit.ly/3spkqJM
13 عبدالمؤمن محو، لماذا لا يشغل المغرب مصفاته الوحيدة لتكرير البترول؟ سكاي نيوز عربية. 12 أيار/مايو 2022 متاح على: https://bit.ly/45ZPePV
14 مصطفى قماس، تحركات لإعادة تشغيل مصفاة سامير المغربية لتخفيف غلاء الوقود، العربي الجديد، 25 تموز/يوليوز 2022، متاح على:  https://bit.ly/45n2Ww3
15 ياسر نصر، إعادة إحياء مصفاة سامير قد تضع حلًاً لأزمة المحروقات في المغرب (تقرير)، منصة الطاقة. 07 آذار/مارس 2023، متاح على:  https://bit.ly/3PaA1Wz
16 Haddad, E. A., Araújo, I. F., Chawki, C., El-Mansoum, R., & Masnaoui, M. Analysis of economic and environmental impacts of shutting down the Moroccan Refinery Samir: An interregional input-output approach. Scientific African, 20, 2023.‏ accessed on 24/08/2023, available at: https://bit.ly/45nGPWg
17 فاطمة الزهراء غالم، تضارب تصريحات حول إغلاق مصفاة "سامير" يضع بنعلي في مرمى الانتقادات. العمق المغربي، 20 تموز/يوليو 2022. متاح على:  https://al3omk.com/764751.html
18 Ayoub lahrech, Leïla Benali : Le raffinage de pétrole ne fait pas partie des piliers de la stratégie nationale de l’énergie, 18 juillet 2022. consulté le 24 août, 2023. https://bit.ly/3smbrJb
19 Safae Hadri, La SAMIR objet de toutes les surenchères : entre choix de société et réalité économique, le360. 16/06/2023. Consulté le 22 août, 2023. https://bit.ly/3ORcjx9
20 مقترح قانون يتعلق بتفويت أصول شركة سامير في طور التصفية القضائية لحساب الدولة المغربية، مجلس المستشارين، رقم التسجيل 05 بتاريخ 05/01/2021. متاح على:  https://bit.ly/44oYAn0
21 مقترح قانون يتعلق بإدخال أصول شركة سامير في طور التصفية القضائية لحساب الدولة المغربية، مجلس النواب، رقم التسجيل 255 بتاريخ 08/02/2021. متاح على:  https://bit.ly/3smchWl
22 التقرير التركيبي للمهمة الاستطلاعية للجنة المالية والتنمية الاقتصادية حول أسعار بيع المحروقات السائلة للعموم وشروط المنافسة بعد قرار التحرير. مجلس النواب، 28 شباط/فبراير 2018، متاح على:  https://bit.ly/3OIjurk
23 مصطفى قماس، تحركات لإعادة تشغيل مصفاة سامير المغربية لتخفيف غلاء الوقود، مرجع سابق.
24 Salaheddine Lemaizi, La SAMIR : Les huit revendications du Front de sauvegarde. ENASS, 1 Août 2023. consulté le 24 août, 2023. https://bit.ly/3P9IYzn
25 القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.89 في 15 ذي الحجة 1442 (26 تموز/يوليو 2021) جريدة رسمية عدد 7007، ص 5687.  متاح على: https://bit.ly/47OZA6T
26 Salaheddine Lemaizi, La SAMIR : Les ouvriers face au lobby pétrolier. 23 Février 2023. Enass. consulté le 20 août, 2023. https://bit.ly/3qIprMT
27 Jihane Rahhou, SAMIR Oil Refinery: Morocco’ Government ‘Hopeful’ to Reach Solution .Apr. 21, 2023. Moroccoworldnews. accessed on 11/08/2023, available at: https://bit.ly/47HlTLv
28 Adama Sylla, La SAMIR. Le Front national pour la sauvegarde de la raffinerie propose une souscription publique via le marché boursier. challenge.ma, 30 Juillet 2023. consulté le 20 août, 2023. https://bit.ly/3YP294H
29 هذه أرباح تنتظر الدولة في حالة إعادة تشغيل المصفاة الوحيدة في المغرب، هسبريس، 5 حزيران/يونيو 2022، متاح على:  https://bit.ly/45peUp2
30 الحسن اليماني، تصفية شركة سامير لتكرير البترول، المغرب 35، 6 آب/غشت 2023. متاح على: https://bit.ly/47M88uX
31 سكينة الصادقي، استحواذ الأجانب على شركة سامير ينذر بالمس بالسيادة الطاقية المغربية، هسبريس، 5 آذار/مارس 2023. متاح على: https://bit.ly/44k3Acp

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.