طرطوس بعد سقوط النظام: انطباعات وملامح أولية

تمثال حافظ الأسد على معمل الإسمنت على طريق طرطوس-بانياس (c) عمار عزير 

تحاول هذه الورقة الوقوف على معالم العهد الجديد في سوريا عبر وصف وتحليل الأيام والأسابيع الأولى في مدينة طرطوس الساحليّة ذات الأغلبيّة العلويّة بعد السقوط المفاجئ لنظام بشار الأسد. وتعتمد الورقة على المنهج التحليلي الوصفي، إذ إننا ومنذ اللحظات الأولى لإعلان السقوط بدأنا بالعمل الحثيث على توثيق الخروقات والانتهاكات، وفحص الإجراءات التي تقوم بها الفصائل المسلحة والإدارة الجديدة في طرطوس مدينةً وريفاً، والتحقق من مجريات الحياة اليوميّة واستقصاء آراء الناس ومزاجهم العام للإجابة عن تساؤلات تخص شكل العهد الجديد وعلاقته بمنطقة كانت تُعتبر موالية للنظام، والإجابة عن تساؤلات مثل: هل نحن قادمون على فترة قمع مع تبادل أدوار في التفرّد بالحكم بين المرتكب والضحية؟ ماذا عن الوضع الأمني والتخوّف من  الفوضى؟ أم أنّ هناك بوادر استقرار؟ وما شكل هذا الاستقرار وما طبيعة النظام الجديد؟ إذ سنسرد ديناميكيّة التحوّل والسيطرة وإدارة شؤون المحافظة بعد قرابة الشهر على سقوط النظام، حيث بدأت بعض معالم المرحلة المقبلة بالظهور.

أولاً- دخول الفصائل إلى المدينة

تزامن نبأ مغادرة بشار الأسد سوريا في الساعات الأولى من الثامن من كانون الأول/ديسمبر مع أوامر وتعليمات من القيادات العسكرية العليا وقيادات أركان  الجيش بإلقاء السلاح ومغادرة الثكنات والقطعات العسكرية حيث أشرقت الشمس على هذه الثكنات العسكرية فارغة من مقاتليها، وهرب الضباط الكبار إلى خارج البلاد، ومنهم  من اختبأ في الأرياف والقرى. يقول سومر علي وهو نقيب سابق في كتيبة إمداد بالقرب من مدينة طرطوس: "غادر قائد قطعتنا وهو عميد  في الثانية صباحاً وتبعه عقيدان، وبقيتُ في الكتيبة مع صف الضباط والأفراد حتى الخامسة صباحاً حيث اتصل بي العميد وأخبرني بسقوط النظام وضرورة إخلاء الثكنة والذهاب إلى بيوتنا فوراً".1تمت المقابلة مع النقيب السابق في جيش النظام في إحدى القرى القريبة من طرطوس في مكان سكنه، بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2024. ولدى سؤاله عن السلاح الفردي وأسلحة الكتيبة أجاب: "فور سماع العناصر والضباط خبر سقوط النظام بدأ الجميع بسرقة ونهب كل مايقع تحت أيديهم من سلاح ومحروقات وتجهيزات ضمن الكتيبة". كما أكّد سومر علي أنّ جميع القطع العسكرية في طرطوس تعرضت للسرقة والنهب من قبل العناصر أولاً ومن المدنيين لاحقاً، فسرقوا المحروقات وكل ما وقع تحت أيديهم من تجهيزات. وكنت شاهداً على سرقة كتيبة دفاع جوي تبعد عن طرطوس نحو 10 كلم، إذ قام عدد كبير من المدنيين بدخول هذه الكتيبة ونهبوها بشكل كامل.

كما تزامن نبأ السقوط بخروج شبّان وشابات من أحياء مدينة طرطوس باتجاه تمثال الرئيس السابق حافظ الأسد الموجود في حي الضاحية الجنوبيّة في طرطوس وقاموا بتهديمه. وبحسب شهود عيّان، فإنّ أغلب المتواجدين كانوا من أحياء علويّة قريبة من موقع التمثال، ما عكس للجميع، ومنذ اللحظات الأولى للسقوط، السخط الكبير عند جميع السوريين من النظام السابق ورموزه.

وبحسب ما صرّح أشخاص من منطقة خربة المعزة، فقد دخلت القافلة الأولى لعناصر غرفة عمليات ردع العدوان إلى مدينة طرطوس وقلبها قرابة الساعة السابعة صباحاً  في الثامن من كانون الأول، وكانوا عبارة عن ثلاث سيارات ممتلئة بالعناصر المسلحة. وأشار البعض إلى أن دوريّة من الشرطة العسكريّة الروسيّة كانت برفقتهم، إلا انه لم يتسنَّ لنا التحقق من دقّة هذه المعلومة نظراً لتضارب الشهادات في هذا الأمر. واستقبلهم الأهالي بهتافات الترحيب، فتجولوا في المدينة لفترة وجيزة ثم غادروا بعد أقل من ساعة بعد أن تركوا حراسات شكليّة في مبنى المحافظة وفرع البنك المركزي، ثم عادت قوات أكبر لتنتشر داخل المدينة منذ ساعات المساء.

هناك مسألتان لابد من الإشارة إليهما قبل الانتقال إلى اليوم الثاني للسقوط، وبالتحديد في لحظاته الأولى وهما:

  1. انتشر خبر سقوط النظام بالتزامن مع هروب بشار الأسد، وتأكد الأهالي من الخبر صباحاً، ولم يكن هناك أي مقاومة من عناصر النظام الذين كانوا سبّاقين منذ الصباح الباكر في شتم رئيس النظام ورموزه علناً.
  2. انتشرت شائعات ترافقت مع نبأ سقوط النظام بأن عناصر غرفة عمليات ردع العدوان سيفتشون بيوت العلويين بحثاً عن صور ورموز النظام السابق وعن الكتب السريّة للديانة العلويّة، ما أدى إلى موجة حرق صور ورموز النظام بعد ساعات قليلة من سقوطه في جميع القرى العلويّة في مشهد هو أقرب إلى الخيال.

ثانياً - تمكين الأمن بين خطاب مطمئن وانتهاكات

تعرضت عدّة مؤسسات حكوميّة ومخازن تجاريّة للنهب والسرقة في اليوم الأول لسقوط النظام، وهي حسب ما تم توثيقه حتى الآن: فرع شرطة المرور في طرطوس، مبنى بلدية مدينة طرطوس، مخازن التبغ التابعة لرجل الأعمال حامد حسن الذي احتكر تجارة التبغ بالتعاون مع آل الأسد، وبضعة محال تجاريّة تابعة لمتنفذين ومسؤولين، حيث أمّن عناصر غرفة العمليات مبنى المحافظة وشارع البنوك منذ الساعات الأولى للسقوط. في اليوم الثاني تركزت عمليات السرقة في ضواحي مدينة طرطوس حيث تم سرقة فرن خبز، ودار التبغ، ومخازن حامد حسن للتبغ، ومخازن المتّة (مشروب شعبي في سوريا) التابعة لشركة كبّور للتجارة. ولم تشهد المحافظة حالات سرقة ونهب أو حالات فوضى السلاح أو عمليات انتقاميّة أو حوادث قتل في اليومين الأولين، لكنّ أحداثاً أمنيّة متفرقة حدثت لاحقاً وتمت السيطرة عليها وتطويق مضاعفاتها بشكل سريع.

وكانت الحادثة الأمنية الأبرز، الكمين الذي تعرّض له عناصر غرفة العمليّات في بلدة خربة المعزة التي تقع بالقرب من صافيتا، من قبل أنصار النائب العسكري العام محمد كنجو  وعشرين من عناصره كمنوا لسيارتين تابعتين لغرفة العمليات وقتل عناصرهما في يوم  24 كانون الأول/ديسمبر 2024. بعدها قامت غرفة العمليات بتطويق البلدة وتمشيط محيطها والقبض على نحو 10 شبان من البلدة ولاحقت عناصر كنجو واعتقلتهم في عملية استمرت ثلاثة أيام. ولم يعرف عدد القتلى من الطرفين أو عدد المعتقلين. وصرّح وزير الداخليّة الجديد محمد عبد الرحمن بأنّ 14 عنصراً من قوات الأمن التابعة لغرفة العمليات وثلاثة مسلحين، قتلوا في اليوم الأول، لكنّ شهادات من الأهالي تفيد بأرقام أكبر لم نتأكد من صحتها.  أدخلت غرفة العمليّات مساعدات غذائيّة للسكان أثناء تطويق البلدة، وعقدت اتفاقاً مع الأهالي لتسليم السلاح، وتمت السيطرة على الموقف بشكل كامل وسريع، حسب ما أكّد الأهالي في بلدة خربة المعزة بعد أن تواصلتُ مع العديد منهم.

وتعامل عناصر قوات غرفة العمليات بحرفة مع المدنيين، عبر انتقاء الألفاظ وطرق الرد والتعاطي مع السكّان في طرطوس وتوحيد الخطاب الذي تمحور حول القضايا الآتية:2تواجدت شخصيّاً في الكثير من الأحداث التي توجه فيها عناصر وقادة من غرفة العمليات إلى الجمهور بالحديث وسمعت شهادات من مناسبات أخرى وجميعها تحمل نفس الملاحظات التي ذكرتها، حيث قال ممثل غرفة العمليات في بانياس في لقاء مع تجمع بانياس الوطني والذي كنت حاضراً فيه ويدعى الشيخ مصطفى: "منظمات المجتمع المدني هي التي تؤطر عمل السلطة، ونحن بحاجة ماسة لهذه المنظمات".

  • شدد معظم المتحدثين على تطمين السكان والأقليات لناحية احترام الأمن الشخصي والملكيّة الخاصة واحترام الحقوق المدنيّة وحق التعبير عن الرأي والتظاهر.
  • تضمنت الخطابات وعوداً بازدهار اقتصادي وحلحلة سريعة للأوضاع المعيشيّة التي وصلت إلى حد المجاعة في معظم مناطق النظام سابقاً.
  • لم تكن هناك دعوات مباشرة من عناصر غرفة العمليات للجمهور بالتنظيم الاجتماعي والمدني والسياسي والأهلي، بل تضمنت خطاباتهم إشارات واضحة إلى حريّة العمل السياسي، ووجهت دعوات للسكان عبر وسائل التواصل بمباشرة العمل على "بناء سوريا".
  • امتنع عناصر غرفة العمليات عن التواصل الشخصي مع أي شخصيّة من المدينة، وطلبوا ممن يريد التواصل معهم أن يكون بالضرورة ممثلاً لمنظمة مدنية أو أهليّة أو سياسيّة. إلّا أنّ مجلس المحافظة السابق والذي كلفته غرفة العمليات بتسيير أمور المحافظة الإسعافيّة، تواصل مع شخصيّات ووجهاء المناطق لحل بعض الأمور، كالإبلاغ عن حالات سرقة أو بضعة تجاوزات من قبل عناصر هيئة تحرير الشام كمحاولات تكسير رفوف المشروبات الروحيّة في المحال التجاريّة أو ترهيب أصحابها، أو الإبلاغ عن فقدان الخبز في منطقة ما.

بالرغم من الخطاب الرسمي، جرت خلال عمليّات ضبط الأمن في طرطوس وخلال تواجد عناصر غرفة العمليات في المدينة وريفها العديد من الانتهاكات التي تفتقر إلى التوثيق والضبط لغياب منظمات مدنيّة تعنى بذلك، وغياب رقابة "حكوميّة" أيضاً، منها ما تم التأكّد منه عبر شهادات الأهالي ومنها ما بقي مجهولاً من حيث الجهة أو العناصر المنفذة، حيث جرت حالات اقتحام لمنازل مدنيين ومسؤولين سابقين، ومصادرة هواتفهم وحصول حالات سرقة. كما لم تعترف إدارة غرفة العمليّات بتجاوزات فرديّة واعتبرت أنها لا تعكس توجهاتها بشكل رسمي، إلّا أن مخاوف السكّان راحت تزداد مع ازدياد مثل هذه الانتهاكات، التي تجعل الوضع العام للسكان في حالة خوف وترقب شديد، نظراً للخلفيّة المتشددة لمعظم فصائل غرفة العمليّات والتي تحمل إيديولوجيا معادية للأقليّات التي ينتمي إليها معظم سكان طرطوس، حيث يشكل العلويون نحو ثمانين بالمئة والمسيحيون 10% حسب تقديرات أوليّة لنشطاء من المحافظة.

ثالثاً - تعيين القائم بالأعمال (المحافظ) وبدء تسيير الأمور اليوميّة

عيّنت  هيئة تحرير الشام حكومة الإنقاذ التي كانت تعمل في مناطق إدلب والتي كانت تابعة لفصائل هيئة تحرير الشام مكان حكومة النظام وسميت بالحكومة المؤقتة في 8 كانون الأول /ديسمبر 2024، كما عينت هذه الحكومة قائماً بالأعمال بصلاحيات المحافظ كاملةً في طرطوس كغيرها من المحافظات السوريّة في اليوم التالي، وجاءت التعيينات للقائمين بالأعمال من مشايخ سنّة "موثوقين" من هيئة تحرير الشام معروفين بعدائهم للنظام السابق. وعيّنوا الشيخ أنس عيروط المنحدر من مدينة بانياس قائماً بالأعمال في طرطوس. وكان عيروط سباقاً في تصدّر المشهد الإسلامي للمظاهرات في بانياس عندما طلب عام 2011 من سلطات النظام فصل الذكور عن الإناث في المدارس.

عيّن عيروط سريعاً مجلس المحافظة من مسؤولي المحافظة السابقين، وبدأ العمل على جميع الأصعدة الخدميّة في المحافظة، لكنّ "القيادة" استبدلته بأحمد الشامي بعد أقل من أسبوع وعينته محافظاً لمدينة طرطوس، لأسباب لم توضحها. وتابع العمل بنفس الأسلوب. وتميزت هذه الإدارة بالاستجابة السريعة للمشكلات اليوميّة، وعملت بجدية لتسيير العمل والنقل والتجارة وخفض أسعار المواد الغذائيّة الرئيسيّة، ما ساعد على استقرار سعر صرف الدولار الذي شهد ارتفاعاً كبيراً قبل السقوط وبعده وصل إلى 30000 ليرة واستقر بعد عشرة أيام على 14000ليرة، ليستقر بعد شهر على 11000 ليرة. ومن الأمثلة البارزة على سرعة الاستجابة والتدخل، مسألة تأمين المحروقات وتحديد أسعار النقل والخبز بعد تحرير أسعار الطاقة التي ارتفعت بشكل ملحوظ.

وحول هذا الموضوع جمعنا الشهادات الآتية:

  • النقل: أفاد الشاهد علي محمد (54 عاماً) وهو سائق حافلة صغيرة خاصة يعمل في مدينة طرطوس "بدأنا العمل في اليوم الثاني بعد السقوط، وكنا نتقاضى 5000 ليرة أجرة الراكب داخل المدينة، لكنّ المحافظة خفضتها في اليوم نفسه إلى 3000 ليرة، والتزم الجميع بها، مع توفر المازوت في الكازيات بسعر 14400 ليرة لليتر الواحد، وتشهد اليوم خطوط النقل حركة طبيعيّة مع توفر الحافلات لجميع الخطوط". ومع تحرير المازوت وتوفره شهد قطاع النقل غلاءً كبيراً بحدود 400% على جميع خطوط النقل، مع ملاحظة توفر الحافلات وتلاشي مظاهر الازدحام.
  • الخبز : لم ينقطع الخبز ولا ليوم واحد، إذ وزّع على كامل أراضي المحافظة مجاناً في اليومين الأول والثاني، واعتمدت التسعيرة الجديدة في اليوم الثالث، (2000 ليرة للربطة بعد أن كانت بـ650 ليرة) وألغي العمل بما يسمى البطاقة الذكيّة (اعتمد النظام السابق البطاقة الذكيّة لتوريد الخبز لكل عائلة حسب عدد أفرادها، وحددت لكل منطقة وكيلاً ينقل الخبز من الفرن المخصص له وفق آلية لا تراعي الجودة). وتحررت الأفران من قيود العمل، مع ارتفاع سعر الخبز 250%، إلا أن حرية شراء الربطة من أي فرن رفع من جودة الخبز، ما أسهم في توفر مادة المازوت في السوق.
  • الخدمات الأساسية الأخرى: لم تشهد خدمات كالمياه والاتصالات والتعليم والصحة أية تغيرات سلبيّة كانت أم إيجابيّة، بل استمرت بالعمل وفق آلياتها المتبعة، حيث قام المحافظ وإدارة غرفة العمليات بالتواصل منذ اليوم الأول مع مدراء هذه الخدمات وتم استدعاؤهم للعمل ومتابعته مع الموظفين بشكل طبيعي، مع إبقاء مدراء بعض المديريات والمياه، كما تمّ تعيين شبّان من هيئة التحرير (غرفة العمليات) كمراقبين على عمل هذه المديريات والإشراف على مدراء الأقسام وباقي الموظفين. وشرعت غرفة العمليّات بإجراء تقييم أولي لعمل هذه المديريات وآلياتها عبر استبيانات وزعت على الموظفين أو عبر لقاءات مباشرة مع الموظفين في دوائرهم.3أكد موظفو الجمارك وقطاع الكهرباء على هذا الأمر، كما أن قطاعات أخرى اعتمدت الاستبيانات الرقمية كقطاع التربية.

رابعاً - انتعاش الحياة السياسية وتعاطي السلطات معها

ما إن سقط نظام الأسد حتى بدأ المعارضون والناشطون في طرطوس يعبرون على صفحات الفيس بوك عن فرحهم بسقوط الطاغية، وما هي سوى أيام قليلة حتى بدأت هذه الفعاليات بعقد لقاءات تشاوريّة لإنشاء تنظيمات سياسية ومجتمعيّة. إلا أن معظم الناشطين والمعارضين كانوا ميالين نحو العمل ضمن منظمات المجتمع المدني، حيث رتبت أنا وبشكل شخصي لقاءً بين معظم فعاليات المجتمع المدني في طرطوس كتلك التي كانت تعمل في زمن النظام السابق والمبادرات الحديثة ومنها: (مبادرة المجتمع المدني في طرطوس- تجمع المجتمع المدني في طرطوس – والسلم الأهلي في طرطوس- سنديان ...) مع فاعلين في المجتمع المدني من المناطق التي كانت تسيطر عليها هيئة تحرير الشام قبل البدء بعملية ردع العدوان الأخيرة التي أسقطت نظام الأسد، ودار الحوار حول التجربة المدنيّة والعمل المجتمعي الذي امتد في تلك المناطق لست سنوات وتحت سلطة الهيئة، وأبرز النقاط التي تم توضيحها للمجتمعين هي السبل الحديثة للعمل مع منظمات المجتمع المدني وأكثر الطرق فعالية في تحقيق أهداف هذه المنظمات، ومن خلال عملي اليومي مع هذه التنظيمات والفعاليات خلصت إلى النتائج الآتية:

  • يشير الميل العام لدى معظم الناشطين السياسيين في منظمات المجتمع المدني إلى نظرة حادة وسلبيّة للحزب السياسي، إذ عبر معظمهم عن عدم قدرتهم على العمل في تنظيمات عقائديّة وذات خطاب إيديولوجي خشبي، إذ لم تجترح السياسة السوريّة في العصر الحديث سوى الأحزاب العقائديّة، في الوقت الذي عجزت فيه كل أشكال التنظيم السياسي عن إنتاج مؤسسات ذات بعد ديمقراطي.
  • يختلط لدى معظم الناشطين مفهوم منظمات المجتمع المدني مع مفهوم الحزب السياسي، حيث ابتعد معظم المبادرات المجتمعيّة الجديدة عن التخصص في مجال واضح، على العكس أخذت تسميات المجتمع المدني الحيز الأكبر، في حين اندمجت منظمات الـ(ngo) مع هذه المنظمات مع اختصاصاتها المركبة في زمن النظام السابق والتي كانت تدار بإشراف المخابرات والمكتب الاقتصادي لأسماء الأسد.
  • أدى غياب التجربة الديمقراطيّة إلى غياب النشطاء والسياسيين عن معرفة الحاجة الرئيسية لمعنى التنظيم الديمقراطي وضرورته في الحفاظ على صلابة التنظيم واعتمدت المحسوبيات (البيضاء أي تلك التي تعتمد على سمعة الناشط ونظافة سجله) لتسيير أمور هذه المنظمات، حيث أجمع معظمهم على عدم أهمية الانتخابات والتنظيم والرقابة الداخلية والشفافية والمبادئ السياسيّة العامة للتنظيم لتفادي الانقسامات، الأمر الذي ينبئ بفوضى وتخبط في هذه التنظيمات قد لاترى النور قبل وقت طويل.

مظاهرات سياسيّة واحتجاجات نقابية

شهدت محافظة طرطوس والكثير من مدنها وقراها مظاهرات تحمل شعارات طائفيّة ذات صبغة علويّة، حيث هتف المتظاهرون بشعارات (لبيك يا أبي عبد الله، ولبيك يا خصيبي) في 26 كانون الأول/ديسمبر 2024 . وبعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط النظام إثر انتشار فيديو لحرق مرقد أحد أهم أئمة العلويين في حلب وهو (أبي عبدالله الحسين بن حمدان الخصيبي). استمرت هذه المظاهرات منذ الظهيرة وحتى المساء وانتهت بنفس اليوم مع انتشار بيانات من المشرفين على المقام وحرّاسه بسلامة المقام وحمايته من أي اعتداء.

ومن الملاحظ أن هذه المظاهرات تضمنت في بعض المناطق دعوات للتصدي بالسلاح لقوات غرفة العمليات ومنعهم من دخول الأحياء والقرى العلويّة، وجهها نافذون سابقون في النظام والمتورطون منهم في أعمال إجراميّة مع عناصر إيرانيّة، لكن هذه الدعوات لم تلقَ آذاناً صاغية لدى جمهور العلويين الذين أصروا على سلمية مظاهراتهم وضرورة تعاونهم مع غرفة العمليات والحفاظ على السلم الأهلي.4حضرت شخصيّاً مظاهرات مدينة بانياس وتابعت بعض المظاهرات في قراها وتلك التي حدثت في طرطوس، هناك من كان يحمل أسلحة في المظاهرات ويدعو للقتال دفاعاً عن المقدسات العلويّة معلنين ارتباطهم بوسيم الأسد، ومنهم متهمون أيضاً بتجارة المخدرات وهناك طبيب تدور حوله شكوك بتجارة الأعضاء البشرية لحساب عناصر إيرانيّة، ّ هذه الأصوات بدت غريبة وتغرّد خارج المزاج العام الذي يميل للاستقرار ويشعر بالإنهاك من حالة الحرب والفوضى والجوع. وقد أفاد الكثير من المحللين والناشطين بأن ما يسمى الفلول يحاولون نشر الفوضى للتغطية على جرائمهم في عهد النظام السابق. وفي اجتماع للأهالي في بانياس صرّح المعتقل السياسي السابق والقيادي في حزب العمل السيّد سمير حيدر : "من تلوثت أيديهم بدماء السوريين، المجرمون واللصوص وتجار المافيا لايريدون الخير لا للبلاد ولا لأبنائها، نحن مع بناء الدولة ومع جهود غرفة العمليات لإحلال الأمن، لن ننجر خلف هؤلاء". وقد لاقى هذا الخطاب استجابة من مجمل الحضور (جميعهم علويون) حيث كنت حاضراً في هذا الاجتماع، ولاحظت بروز خطابات محضّرة وتحض على الكراهيّة الطائفيّة وعلى الترهيب الجماعي للعلويين من متنفذين في النظام السابق، لكنّ هذه الخطابات بدت ناشزة ولغتها بعيدة عن المزاج العام المتعب من الحرب والراغب في الاستقرار.

كما شهدت مدينة طرطوس احتجاجات مطلبيّة لموظفي المشفى الوطني في المدينة بتاريخ  كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث اكتشفت إدارة المشفى الجديدة وجود قرابة 8000 موظف في المشفى الذي لا يستوعب أكثر من ألف وظيفة، فقامت بوضع جميع الموظفين الفائضين عن الحاجة تحت تصرف المحافظ، ما أدى إلى تخوفهم من حالة فصل جماعي، فتجمع أمام مبنى المحافظة، قرابة 400 موظف وشكلوا وفداً والتقوا المحافظ الذي وعد بدراسة أوضاعهم، وتسريح البقية بشكل لائق مع الحفاظ على حقوقهم، حيث حضرت مع ناشطين هذا الاحتجاج وتابعنا مجرياته.

خاتمة

رغم السقوط السريع والمفاجئ لنظام الأسد، والتحولات الجذرية التي حدثت في ليلة وضحاها، والتي كان يمكن أن  تؤدي إلى حالة فوضى عارمة قد تتخللها مجازر وعمليات تهجير جماعيّة، إلا أنّ ماحدث ويحدث في طرطوس وباقي الأراضي السوريّة ينبئ بتصرفات تم التحضير لها بشكل جيّد، ولايخفى على أحد المساعدة التركية الحثيثة لغرفة العمليات والمباركة الأمريكية والغربية والعربيّة للقيادة الجديدة في سوريا، فإن ماحدث يوحي بمشروع دولة مدنيّة متفق عليها من جميع هذه الأطراف، قامت بها عناصر إسلاميّة بالتنسيق مع الجانب التركيّ الذي ربما استطاع ضبط حركة هذه الفصائل على مستوى القيادات والتعليمات العامة. ولكن لم يستطع حتى الآن ترسيخ الفكر المدني في أذهان جميع العناصر، حيث رصدت تصرفات لعناصر ميلشيويّة تقوم بالتصفيّة الفوريّة للملاحقين وبعمليات اعتقال تعسفيّة في ظروف غير إنسانيّة، بررتها غرفة العمليات بالتصرفات الفرديّة، التي ربما لن تجد مخرجاً منها سوى بعملية تسوية شاملة للملف السوري تضمن تمثيلاً للسوريين في جميع المجالات وخاصّة منها الأمنية ذات الحساسيّة العالية لدى السوريين، بدءاً بالإعلان الدستوري ومروراً بحكومة انتقاليّة وصولاً للتصويت العام لدستور دائم وانتخابات عامة.

Endnotes

Endnotes
1 تمت المقابلة مع النقيب السابق في جيش النظام في إحدى القرى القريبة من طرطوس في مكان سكنه، بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2024.
2 تواجدت شخصيّاً في الكثير من الأحداث التي توجه فيها عناصر وقادة من غرفة العمليات إلى الجمهور بالحديث وسمعت شهادات من مناسبات أخرى وجميعها تحمل نفس الملاحظات التي ذكرتها، حيث قال ممثل غرفة العمليات في بانياس في لقاء مع تجمع بانياس الوطني والذي كنت حاضراً فيه ويدعى الشيخ مصطفى: "منظمات المجتمع المدني هي التي تؤطر عمل السلطة، ونحن بحاجة ماسة لهذه المنظمات".
3 أكد موظفو الجمارك وقطاع الكهرباء على هذا الأمر، كما أن قطاعات أخرى اعتمدت الاستبيانات الرقمية كقطاع التربية.
4 حضرت شخصيّاً مظاهرات مدينة بانياس وتابعت بعض المظاهرات في قراها وتلك التي حدثت في طرطوس، هناك من كان يحمل أسلحة في المظاهرات ويدعو للقتال دفاعاً عن المقدسات العلويّة معلنين ارتباطهم بوسيم الأسد، ومنهم متهمون أيضاً بتجارة المخدرات وهناك طبيب تدور حوله شكوك بتجارة الأعضاء البشرية لحساب عناصر إيرانيّة، ّ هذه الأصوات بدت غريبة وتغرّد خارج المزاج العام الذي يميل للاستقرار ويشعر بالإنهاك من حالة الحرب والفوضى والجوع.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.