مقدمة
لا تزال تحويلات المصريين النقدية من الخارج تشكل ركناً من أركان الاقتصاد المصري، إذ احتلت مصر المرتبة الأولى على مستوى إفريقيا والعالم العربي والخامسة عالمياً، وذلك من حيث إجمالي قيمة تحويلات العاملين في الخارج على مستوى الدول محدودة ومتوسطة الدخل. كما أن تراكم واستمرارية تحويلات المصريين من الخارج تفوق حصيلتها السنوية في المتوسط إجمالي التدفقات الجديدة ضمن القيمة الإجمالية لصفقة رأس الحكمة بين الحكومة المصرية والإمارات والبالغة نحو 24 مليار دولار، والمصنفة كأضخم صفقة في تاريخ مصر بحسب رئيس الوزراء.
ومع تزايد أعباء خدمة الدين المحلي، والدولي، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة بنسبة 92.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023، قفزت ديون مصر الخارجية بنحو 257 في المئة منذ تولي السيسي رئاسة الجمهورية في 2014، لتصل إلى 164.7 مليار دولار في نهاية حزيران/يونيو 2023، مقارنةً بـ ـ46 ملياراً في 2014، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. توجه اهتمام الحكومة المصرية إلى المصريين في الخارج، وتمثل ذلك في طرح العديد من المبادرات بدعوى تشجيع مزيد من تحويلات المصريين في الخارج بالعملة الصعبة.
شكلت مبادرات وتشريعات الحكومة المصرية منذ بدايات عام 2022، طفرة سياساتية غير مسبوقة في تاريخ البلاد تجاه مواطنيها في الخارج، وجاء ذلك بالتزامن مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، وتأثيراتها السلبية التي تتمثل في زيادة عوامل هشاشة الاقتصاد المصري. ولكون مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، يعتمد اقتصادها على استيراد القمح، الذي يعتبر أحد أهم عناصر الأمن الغذائي لملايين المصريين بنسبة تفوق الـ85 في المئة من كلا البلدين المتحاربين. إضافة إلى كون السياح من البلدين يمثلون نحو 40 في المئة من حجم السياحة الشاطئية التي تأتي إلى مصر سنوياً.
ومع هروب الأموال الساخنة من الاقتصاد المصري، إلى اقتصادات دول الشمال، رفعت العديد من الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا معدلات الفائدة إلى مستويات تاريخية. وقام البنك المركزي المصري برفع مماثل لمستويات الفائدة على الجنيه المصري بشكل عام، ليصل عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة إلى 27.25 في المئة و28.25 في المئة في 6 آذار/مارس 2024 عندما رفع البنك المركزي المصري الفائدة 6 في المئة وهي أعلى زيادة في تاريخه. توجهت الحكومة المصرية بعروض لشهادات ادّخارية دولارية للمصريين المقيمين في الخارج والأجانب بمستويات فائدة هي الأعلى في العالم، بحسب وزيرة الهجرة.
وتضمنت عروض الحكومة المصرية لمواطنيها في الخارج إعفاءات جمركية عن استيرادهم سيارات للاستخدام الشخصي داخل البلاد، مقابل إيداع وديعة بالعملة الأجنبية، يستردونها بعد 5 سنوات بالجنيه المصري وفقاً لسعر الصرف حينها. كما تضمنت أيضاً عرضاً للإعفاء النهائي من التجنيد الإجباري للمتهربين منه، أو الطلبة الذكور في الخارج الذين تخطوا سن الـ18 عاماً، مقابل دفع رسوم تبلغ 5 آلاف دولار أو يورو. إضافة إلى عروض مثل ما يسمى بتصدير العقار، أي طرح عقارات وأراضٍ للبيع بالدولار للمصريين المقيمين في الخارج والأجانب. وطرح معاشات تأمينية مثل "معاش بكرة بالدولار".
وبالرغم من إعلان الحكومة المصرية المتكرر أن هذه العروض والمبادرات هي عروض محدودة، لبضعة أسابيع، لتشكل مزيداً من التحفيز للمستفيدين المحتملين من المصريين في الخارج للإسراع في التسجيل وتحويل العملات الأجنبية إلى الحكومة، إلا أنها عادة ما تقوم بتمديد مهل هذه العروض، وهو ما انطبق على مبادرة تيسير استيراد السيارات، وكذلك الإعفاء النهائي من التجنيد. ويشير ذلك إلى اهتمام الحكومة بزيادة رصيدها من النقد الأجنبي، بغض النظر عن التأثيرات الأوسع لهذه المبادرات والعروض، على العقد الاجتماعي بشكل عام، وزيادة الطابع الريعي للاقتصاد المصري بدلاً من الحد منها. ويأتي تصريح رئيس الوزراء وتأكيده على أن "تصدير العقار يعد أحد المصادر المهمة للنقد الأجنبي" دليلاً على هذا النمط.
تستعرض الورقة الأهمية المتزايدة لتحويلات المصريين في الخارج، ليس فقط في قيمتها، ومحوريتها للاقتصاد المصري، وإنما في الأدوار التي قد يلعبها المصريون في الخارج نتيجة لهذا الثقل. كما تسرد بعض من أبرز مبادرات وعروض الحكومة المصرية لمواطنيها في الخارج، بهدف تعزيز مصادر النقد الأجنبي. وتقوم بتحليل واستشراف ما يمكن أن تعنيه هذه السياسة من تحوّلات في العقد الاجتماعي المصري.
1. أهمية تحويلات المصريين النقدية من الخارج ومنطق سياسات الدولة المصرية تجاهها
‒ المصريون في الخارج قوة عددية واقتصادية
تضاعف عدد المصريين في الخارج في العقد الأخير 2013 - 2023 إلى أكثر من خمسة أضعاف، إذ كان يبلغ 2.7 مليونين وفقًا للإحصاءات الرسمية في 2013، ووصل مؤخراً إلى 14 مليون مصري في الخارج، بحسب تصريح لوزيرة الهجرة. بغض النظر عن مدى دقة الأرقام (إذ تحتاج العديد من الإحصائيات والأرقام في مصر إلى مراجعة دقيقة، من حيث منهجية احتساب الأرقام، وما هو تعريفها للمصريين في الخارج)، إلا أن هذه الأرقام القابلة للزيادة إثر الأزمة الاقتصادية والنقدية الأخيرة، تعكس حالة يمكن استشعارها وتأكيدها في العديد من الأوساط المصرية، من تنامي وتزايد موجات الهجرة من مصر، خصوصاً بعد أعوام من الاحتقان السياسي مع تولي نظام تموز/يوليو 2013 مقاليد الحكم في البلاد من ذلك التاريخ.
وقد تزايد إجمالي تحويلات المصريين من الخارج من 18.5 مليار دولار في 2013 - 2014 لتصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق وهو 31.9 مليار دولار في 2021 - 2022.
ومع تهاوي الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، وفقدانه رسمياً أكثر من 400 في المئة من قيمته ضمن إجراءات من الحكومة المصرية بهدف تحرير سعر الصرف، على مدار 5 محطات زمنية، أولاها في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 بعد الإصلاحات الهيكلية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، ومن ثم ثلاثة إجراءات متتالية في أقل من عام (آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر 2022، وكانون الثاني/يناير 2023)، حيث انحدرت قيمة الجنية المصري أمام الدولار الأمريكي من قرابة 8 جنيهات قبل تشرين الثاني/نوفمبر 2016 لتستقر لأعوام قرب 15 جنيهاً، وتقفز بعدها إلى 31 جنيهاً في شباط/فبراير 2023، ثم إلى نحو 50 جنيهاً مع تحريك آخر لسعر الصرف في 6 آذار/مارس 2024.
| السنة |
جنيه مصري/دولار أمريكي |
| 1975 |
1.25 |
| 1977 |
2.5 |
| 2002 |
3.4 |
| 2003 |
6.2 |
| 2015 |
7.72 |
| (تشرين الثاني/نوفمبر) 2016 |
18.1 |
| 2021 |
15.65 |
| (أذار/مارس) 2022 |
18.21 |
| 2022 (تشرين الأول/أكتوير) |
24.06 |
| (كانون الثاني/يناير) 2023 |
26.36 |
| 2023 |
30.88 |
| (أذار/مارس) 2024 |
50.20 |
شكل بياني - تخفيض مستمر لقيمة الجنيه المصري- قام الباحث بتجميع هذا الجدول اعتماداً على بيانات البنك المركزي المصري
وفي هذا الصدد، لطالما لعبت تحويلات المصريين في الخارج دوراً محورياً، وشكلت ركناً من أركان الاقتصاد المصري، إذ احتلت مصر المرتبة الأولى على مستوى إفريقيا والعالم العربي والخامسة عالمياً من حيث إجمالي قيمة تحويلات المواطنين المقيمين في الخارج على مستوى الدول محدودة ومتوسطة الدخل . فشكّلت تحويلات المصريين في الخارج قرابة 22 في المئة من التدفقات النقدية الأجنبية لمصر في 2022 – 2023 رغم انخفاضها، وهو أكثر من ضعف نسبة إجمالي التدفقات النقدية الأجنبية من الاستثمارات المباشرة، ويزيد أيضاً عن إيرادات قناة السويس البالغة نحو 9 في المئة، وكذلك عن نسبة السياحة والتي ساهمت بنسبة 14 في المئة من إجمالي الإيرادات النقدية الأجنبية الذي بلغ 99 مليار دولار في 2022 - 2023.
| الحوالات الشخصية المستلمة - بالأسعار الجارية بالمليار دولار أمريكي - مصر |
السنة |
| 7.15 |
2009 |
| 12.45 |
2010 |
| 14.32 |
2011 |
| 19.24 |
2012 |
| 17.83 |
2013 |
| 19.57 |
2014 |
| 18.33 |
2015 |
| 18.59 |
2016 |
| 24.74 |
2017 |
| 25.52 |
2018 |
| 26.78 |
2019 |
| 29.6 |
2020 |
| 31.49 |
2021 |
| 28.33 |
2022 |
جدول - إجمالي التحويلات النقدية الشخصية من المصريين في الخارج إلى ذويهم داخل مصر - المصدر: بيانات البنك الدولي
يمكن استنتاج أن هناك سبباً رئيسياً من أسباب ارتفاع تحويلات المصريين في الخارج لتصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق بقيمة 31.9 مليار دولار في 2021 - 2022، كان تداعيات كل من الجائحة العالمية، والتي أفرزت مزيداً من الاحتياجات الطبية والوقائية لأسر المغتربين المقيمين في مصر، وكذلك تأثر العديد من الأعمال بالجائحة، ما نتج عنه تحويلات عديدة من أصول مدّخرات المصريين في الخارج، ناهيك عن عودة كثيرين منهم، سواء بشكل مؤقت أو نهائي ضمن تداعيات الجائحة. وبالتالي فإن هذا المستوى القياسي الذي وصل إليه إجمالي تحويلات المصريين في الخارج، يمكن فهم تراجعه بعد العام 2022 ، إذا أمكن النظر إلى تفسير حدوثه بالأساس وارتباطه بالجائحة، إضافة إلى مدى الاعتماد على البنوك كطريقة للتحويل، خصوصاً مع تزايد الفجوة بين السعر الرسمي للعملات الأجنبية والسعر غير الرسمي لها، وهو ما ينتج عنه تفضيل البعض للتحويل في السوق الموازية، وبالتالي ينسحب جزء من الإجمالي المحسوب رسمياً ضمن تحويلات المصريين في الخارج، بالرغم من وجوده فعلياً. فيزداد بذلك الاعتماد على اقتصاد السيولة النقدية "cash economy" بدلاً من البنوك، كأداة لمزيد من التحوّط، والاستفادة من الفارق بين سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي للتحويلات الواردة من الخارج.
‒ سياسات الجباية والريع تجاه المصريين في الخارج:
تنظر الحكومة المصرية إلى تحويلات المصريين العاملين في الخارج على أنها من أهم مصادر توفير العملة الصعبة في البلاد، وتطمح إلى زيادة مطّردة في تلك التحويلات، إذ تتطلع الحكومة المصرية إلى الاستفادة من التجربة الهندية، بصفتها البلد الأول على قائمة الدول الأكثر تحويلاً للعملات من مواطنيها، إذ تتعدى حصيلة التحويلات سنوياً 100 مليار دولار. وفق وزيرة الهجرة المصرية، سها جندي. وبمدّ خط هذه السياسة على استقامته، فإن المطلوب قد يكون زيادة سكانية ضخمة في الدولة الأعلى كثافة سكانياً في العالم العربي، قرابة 106 ملايين نسمة لتضاهي عدد سكان الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، متجاوزة الصين مؤخراً. أو على الأقل مضاعفة عدد المصريين في الخارج، بشكل يتقارب مع عدد الهنود العاملين في الخارج والذي تخطى 32 مليون شخص.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات المصرية تاريخياً حاولت فرض ضرائب ورسوم إضافية على المصريين العاملين في الخارج، نجحت في بعضها من المنبع بإلزام كل العاملين في الدولة باستخراج تصريح للسفر إلى الخارج، وهو ما كان يعرف بالشهادة الصفراء، وهو ما استمر عقوداً طيلة الستينيات وصولاً إلى تسعينيات القرن العشرين. وقد وصفه رئيس الوزراء السابق كمال الجنزوري، والذي قامت حكومته (1996 - 1999) بإلغائه، بأنه كان "يهدر أبسط حقوق الإنسان المصري وهو حق الانتقال".
إضافة إلى ذلك، قامت الحكومة المصرية في أواخر الثمانينيات في عهد الرئيس السابق حسني مبارك بفرض ضريبة على رواتب العاملين المصريين في القطاع العام وأجهزة الدولة في الخارج بموجب القانون 229 لسنة 1989. وهو ما تم الطعن بعدم دستوريته، واستغرق الأمر 4 سنوات حتى قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، وأكدت أنه "ليس ثمة مصلحة مشروعة ترتجى من وراء إقرار تنظيم تشريعي يتوخى مجرد تنمية موارد الدولة من خلال تقرير ضريبة تفتقر إلى قوالبها الشكلية أو لا تتوافر في أركانها ودوافعها الأسس الموضوعية التي ينبغي أن تقوم عليها، لأن جباية الأموال في ذاتها لا تعتبر هدفاً يحميه الدستور، بل يتعين أن تكون هذه الجباية وفق قواعده وتطبيق أحكامه".
وبدلاً من إلغاء القانون المحكوم بعدم دستوريته، قام الرئيس مبارك في 1994 بتمرير قانون جديد بعد عرضه على مجلس الشعب ليفرض ضرائب على العاملين في الخارج، هذه المرة اختلفت بتعميمها على كافة العاملين وليس مجرد العاملين في القطاع العام. إضافة إلى تقسيم الضرائب إلى شرائح وفقاً للدخل.
جاءت حكومة الجنزوري بعدها (1996 - 1999) لتقرر ضمن مستهدفات رفع المعاناة عن المواطنين وكذا مبدأ ما أسماه بالمصالحة بين الشعب والحكومة، إلغاء ضريبة الدخل على العاملين في الخارج لمخالفتها الدستور، إضافة إلى ردّ جميع المبالغ التي تم تحصيلها من المصريين العاملين في الخارج منذ صدور القانون الأول رقم 229 لسنة 1989 بإجمالي وصل حينها إلى 210 ملايين جنيه.
وبالرغم من هذه السياسة التعويضية نادرة الحدوث في تاريخ السياسة المصرية الحديثة، إلا أن مقترحات ومشروعات قوانين بهدف فرض جباية أخرى على عمل المصريين في الخارج لا يزال يتجدد صداها. إذ طالب المستشار بهاء أبو شقة وكيل مجلس الشيوخ المصري في مارس 2023 بإصدار قانون يتضمن تخصيص نسبة من راتب المصري العامل في الخارج إلى الدولة المصرية بصورة إجبارية، مبرراً ذلك بأن "الدولة هي من قامت بتنشئته وتعليمه وتربيته"، معتبراً أن حصول الدولة على نسبة من دخل المصريين العاملين في الخارج هو حق للدولة، باعتبار أن هؤلاء المواطنين تربوا تحت سماء الوطن واستفادوا من خدمات الدولة.
عادة ما تثير مثل هذه التصريحات الصادرة عن ممثلين للسلطة التشريعية أو إحدى الشخصيات الإعلامية المحسوبة على الأجهزة الأمنية المصرية، ضجة واستياءً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي حالة تصريح أبو شقة، فقد سارعت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين في الخارج سها جندي إلى نفي أي نية لدى الحكومة لاستقطاع جزء من أموال المصريين، مؤكدة أن "التحويلات ملك للناس الذين عملوا بها"، وشددت على أن الحكومة لا تتدخل في الحسابات الشخصية للمصريين في الداخل أو الخارج. ليخرج المستشار بهاء أبو شقة ويتراجع، في اليوم التالي، عن هذا الطلب مؤكداً أن حديثه عن المصريين العاملين في الخارج ورواتبهم، أسيء فهمه.
ويتمثل أحدث هذه المقترحات الجبائية، في مقترح مشروع قانون أعلن عنه رئيس حزب الوفد والمرشح الرئاسي السابق عبد السند يمامة في شباط/فبراير 2024، نص على إلزام العاملين في الخارج بتحويل 20 بالمئة من دخلهم الشهري بالدولار إلى البنوك المصرية، من أجل "الخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية". وهو ما لاقى معارضة شديدة شملت نواباً من المعارضة منهم عن الحزب نفسه (الوفد) في مجلس النواب.
2. عروض الحكومة المصرية لجذب أموال مواطنيها في الخارج وتقييدات ضد خروجها.
‒ عروض ومبادرات جذب أموال المصريين في الخارج.
منذ عام 2022 اتجهت الحكومة المصرية إلى طرح عروض حصرية للمصريين في الخارج، مستهدفة دخلهم من العملة الأجنبية، بدءًا من عرض الإعفاء الجمركي عند شراء سيارات من خارج مصر، شريطة أن يقوم صاحبها بتحويل مبلغ بالعملة الأجنبية وإيداعه 5 سنوات في أحد البنوك المصرية الحكومية، على أن يسترده بالجنيه المصري بسعر الصرف وقت الاسترداد... ومرورا بعرض الإعفاء من التجنيد للمصريين في الخارج بدءًا من 19 عاماً، و أيضاً من تخطوا الحد الأقصى للسن المطلوب للتجنيد 30 عاماً، شريطة تحويلهم مبلغ 5 آلاف دولار أو يورو إلى بنك مصر. إضافة إلى عروض أخرى مثل الاتجاه الحكومي إلى تأسيس شركة استثمارات المصريين في الخارج، وما سماه رئيس الوزراء بتصدير العقار، أي إتاحة الوحدات العقارية للبيع بالدولار سواء للمصريين في الخارج، أو الأجانب، وطرح الشهادات الادّخارية البنكية مثل الشهادات الدولارية بعائد تنافسي يبلغ 7 في المئة و9 في المئة وهو أعلى عائد في العالم، بحسب وزيرة الهجرة.
يتمثل العرض الأحدث الموجّه للمصريين في الخارج في إصدار وثيقة "معاش بكرة بالدولار" وهو معاش تأميني بالدولار، شريطة أن يقوموا بشرائه من خلال "بطاقة ائتمان أو خصم من خارج مصر، ولا يقبل شراؤه من خلال أي بطاقة لبنوك محلية" بحسب هشام عكاشة، رئيس البنك الأهلي المصري، في مؤتمر صحفي يوم 14 آب/أغسطس 2023 بحضور سها جندي، وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج، والدكتور محمد فريد صالح، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية.
أكدت جميع المبادرات والعروض المستهدفة لدخول المصريين في الخارج على أنهم لن يتمكنوا من الاستفادة من كل هذه العروض إلا إذا قاموا بالشراء وتحويل الأموال من الخارج، وعدم قبول أي أموال لهم من حسابات بنكية داخل مصر. فماذا يعني ذلك سواء لمصريي الخارج، أو لـ 106 ملايين مصري داخل البلاد؟ وكيف تسهم هذه المبادرات في إحداث تغييرات يمكن لها على المدى القصير والطويل أن تؤدي إلى تغيير بنيوي على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وهنا بعض المحاور التي من المهم تسليط الضوء عليها:
‒ مبادرة تيسير استيراد سيارات المصريين في الخارج:
توفر مبادرة تيسير استيراد سيارات المصريين في الخارج إعفاءات جمركية وتيسيرات في الاستيراد للسيارات التي يرغب المصريون في الخارج في إدخالها إلى مصر للاستعمال الشخصي مقابل إيداع مبلغ من النقد الأجنبي بنسبة 30 في المئة من الرسوم الجمركية على السيارة كوديعة في البنوك لمدة 5 سنوات، بشرط قيامهم بتحويل تلك المبالغ عن طريق حساباتهم البنكية من خارج مصر، على أن يقوموا باستردادها مع استحقاق الوديعة، بعد خمس سنوات بالجنيه المصري، بسعر الصرف حينها.
فعلى عكس ما تحاول فعله الحكومة المصرية من تزيين للمبادرة، على أساس أنها استجابة لمطلب من المصريين في الخارج تم رفعه لسنوات، ينص تصريح سها الجندي وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج على أن "إعفاء سيارات المصريين في الخارج من الجمارك والرسوم كان حلماً للمصريين في الخارج منذ أكثر من 15 عامًا"، ولكنه في الوقت نفسه، حلم يراود المصريين في الداخل أيضاً ، إذ تواجه المصريين عند شرائهم سيارات، معضلة فرض ضرائب جمركية باهظة على كافة السيارات تقريباً، تتخطى ضعف ثمن السيارة في غالب الأحيان. كما أن توقيت تطبيق المبادرة (تشرين الثاني/نوفمبر 2022)، يجعل من السهل استنتاج حاجة الحكومة المصرية إلى مزيد من تدفقات النقد الأجنبي من خارج البلاد، وهو ما يؤكده التشديد على أن يتم تدبير المبالغ المطلوبة ضمن هذه المبادرة، وغيرها من المبادرات كتحويلات بنكية من خارج البلاد، وعدم تدبيرها من حسابات بنكية داخل مصر.
ولم تنجح المبادرة في طرحها الأول الذي استمر إلى قرابة 6 أشهر من 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 إلى 14 أيار/مايو 2023 في الوصول إلى الحصيلة الدولارية المستهدفة 2.5 ملياري دولار، إذ لم تحقق سوى نحو 18 في المئة من المستهدف بقيمة 450 مليون دولار.
نتج عن ذلك، أنه بالرغم من تأكيدات وزير المالية المصري، محمد معيط، على أنه لا نية لمد فترة العمل بقانون «تيسير استيراد سيارات المصريين في الخارج»، فقد تم التراجع وإعادة فتح باب التقديم مراراً، وأحدث مرة بدأت بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ولمدة ثلاثة أشهر تنتهي في 30 كانون الثاني/يناير 2024، لكنها مع نهايتها أيضاً ، تم الإعلان مجدداً عن تمديدها 3 أشهر أخرى لتنتهي في 30 نيسان/أبريل 2024.. ربما يعكس ذلك بعض التخبّط، وسوء التخطيط، وعدم التكامل مع سياسة عامة تم السير بها لقرابة عقد كامل تتسم بالاستثمارات الضخمة في النقل العام الصديق للبيئة، وهو ما سيتم توضيحه لاحقاً في الورقة.
‒ مبادرة تسوية الموقف التجنيدي للمصريين في الخارج:
تثير مبادرة تسوية الموقف التجنيدي للمصريين في الخارج أسئلة مهمة بخصوص التجنيد الإجباري، الذي يخضع له كل شباب مصر من الذكور بدءًا من 19 عاماً لتقرير مصير إخضاعهم لفترة من التجنيد الإجباري تتراوح بين عام إلى ثلاثة أعوام، أو بالإعفاء من الخدمة سواء بشكل مؤقت أو نهائي. وللمرة الأولى تقريباً في تاريخ البلاد الحديث، تُقر مبادرة تسمح بإمكانية الإعفاء النهائي من أداء الخدمة العسكرية مقابل دفع 5000 (دولار/ يورو) من قبل المصريين الذين لديهم إقامة سارية في الخارج، خلال فترة عمل المبادرة والتي استمرت شهرين من 14/08/2023 حتى 13/10/2023.
قد يكون هذا القرار فاتحة لقرارات أخرى مع اشتداد الأزمة الاقتصادية، بفتح مهل أخرى لتطبيقه، كما تم الإعلان بالفعل مؤخراً عن فتح مهلة أخرى للمبادرة اعتباراً من 1 أيار/مايو 2024 ولمدة شهرين، أو بتخفيض المبلغ المطلوب، فقد مددت مهلة المبادرة بعد أن كانت شهراً لتصل إلى شهرين. وفي ظل غياب الشفافية والإفصاح عن أعداد المستفيدين من هذه المبادرة، فمن الصعب التكهن بدقة حول مستقبلها، إلا أن انعكاساتها وتأثيراتها، والرسالة التي تحملها ستظل باقية، على سبيل المثال تأكيد وزيرة الهجرة سها الجندي: "ورغم أننا تلقينا اتصالات تحاول الاستفادة من تلك المبادرة من أبنائنا في الداخل، إلا أن الرد جاء حاسماً ومفاده أنه شرط أساسي أن يكون ذلك مقصورًا على المقيمين في الخارج".
وما يزيد من مخاوف بعض المصريين في الخارج، هو اشتراط العديد من المبادرات الحكومية التي تستهدفهم، تحويلهم مبالغ من العملة الأجنبية من حسابات خارج مصر. فقد شدد رئيس مصلحة الجمارك على أنه "لن يتم إصدار موافقة استيرادية عند تدبير المبلغ النقدي المستحق للوديعة البنكية المراد تحويلها من داخل مصر" وذلك بخصوص مبادرة تيسير استيراد سيارات المصريين في الخارج، فلماذا يتم استثناء الذين لهم حسابات داخل مصر؟ هل يعني ذلك أن أموالهم في البنوك المصرية تستخدم في خدمة الدين العام؟
‒ الداخل مفقود والخارج مولود (تقييدات وتضييقات خروج العملة الأجنبية من مصر)
مع تزايد العروض والمبادرات التي تطلقها الحكومة المصرية بهدف تحفيز المصريين في الخارج لتحويل المزيد من مدخراتهم كرسوم خدمات، أو شراء عقارات وأراضٍ بقيمة دولارية، فإن سياسات وإجراءات الحكومة في عامي 2022 - 2023 قد شهدت أيضاً المزيد من التضييق على خروج العملة الأجنبية من داخل البلاد، على سبيل المثال:
- القيود المتزايدة على التدبير الدولاري للأفراد المسافرين إلى الخارج. إذ تم حرمان المصريين المقيمين في الخارج من إمكانية تحويل بعض مدخراتهم بالجنيه المصري في البنوك المصرية إلى أي عملة أجنبية أخرى. بينما بقية المصريين المسافرين إلى الخارج بأغراض السياحة أو الزيارة أو غيرها، ففرضت عليهم المزيد من الشروط التي قد تصل إلى التعجيز. وفي حال استيفائهم لها، فإن الحد الأقصى للتدبير الدولاري في بعض أكبر البنوك المصرية قد يصل إلى 100دولار أمريكي للفرد المسافر من غير المقيمين في الخارج مرة واحدة كل 3 شهور، بعد أن كان دونما حد أقصى، مع وضع سقف للإنفاق بالعملة الأجنبية من البطاقات الائتمانية لا يزيد عن 250 دولاراً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما يزيد من صعوبة إتمام حجوزات الطيران، والإقامة، والتأشيرات والفيزا للمصريين المسافرين، وهي اشتراطات مسبقة يتم طلبها قبل تقديمهم طلبات التدبير الدولاري للسفر من البنوك التي لديهم حسابات شخصية فيها. فتصبح عملية تدبير العملة الأجنبية للسفر للأفراد عملية سيزيفية، قد تجبر الكثيرين للجوء إلى السوق الموازية، أو المسماة بالسوق السوداء لتأمين الدولارات اللازمة لسفرهم، بأسعار أكبر بكثير من السعر الرسمي، وبالتالي يدفع هذا الضغط من قبل الأفراد الذين يحتاجون إلى العملات الأجنبية مع شبه انسداد المسارات الرسمية، وعدم كفايتها لاحتياجاتهم، إلى مزيد من انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتستمر هذه الحلقة المفرغة.
- أصدر البنك المركزي المصري في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2023 تعليمات للبنوك المصرية بإيقاف وحظر استخدام كافة البطاقات البنكية بالجنيه المصري من نوع الـ Debit Card في الخارج، ويبلغ عدد هذه البطاقات، 24.4 مليون بطاقة بحسب البنك المركزي، حتى نهاية حزيران/يونيو 2023. كما أصدر لاحقاً قراراً مماثلاً بحظر استخدام البطاقات البنكية من نوع الكريدت كارت، والتي يبلغ عددها 5.4 ملايين بطاقة في مصر، ولكنه سرعان ما تراجع عنه بعد أيام، بعد شكاوى عدة، وقفزات كبيرة في سعر الدولار أمام الجنيه المصري في السوق غير الرسمية، ربما أدت إليها مثل هذه القرارات. لكنه أبقى على الحد الأقصى للاستخدام لا يزيد عن 250 دولاراً.
- أصدرت الحكومة المصرية عدة قرارات تهدف إلى الحد من خروج العملات الأجنبية من البلاد، وذلك على مستوى الشركات أيضاً ، وأسفر ذلك عن تكدس أطنان من السلع والبضائع في الموانئ المصرية، في انتظار إتمام عمليات الدفع للخارج، وهي العملية التي شهدت استحداث عراقيل إضافية، من المهم دراستها وتحليلها وحلّها، لكنها تقع خارج نطاق تركيز الورقة هنا.
- ومن الجدير بالإشارة هنا تزايد وتيرة اتجاه بعض أكبر الشركات الخاصة المصرية للنقل الصوري لملكيتها عن طريق نقل ملكية شركاتهم خارج مصر عبر صناديق استثمار أجنبية مملوكة لهم، وذلك منذ 2022. على سبيل المثال، نقلت شركة دومتي للصناعات الغذائية 33 في المئة من أسهمها في البورصة إلى تحالف إكسبيديشن، وهو التحالف المؤسس وفقاً لقوانين دولة موريشيوس، والتابع أيضاً لعائلة الدماطي المالك الأكبر في دومتي. كما باعت ابنتا محمد فريد خميس كامل مؤسس شركة النساجون الشرقيون حصتيهما لصالح صندوق تابع لهما في مانشستر.
من هذه الأمثلة، يتضح جلياً أنه في الوقت الذي تحاول الحكومة المصرية تحفيز المصريين في الخارج على المزيد من التحويلات بالعملة الأجنبية عبر البنوك المصرية، فإنها تغلق الباب أمامهم، وأمام غيرهم من المصريين في إمكانية تحويل عكسي لبعض من مدخراتهم من الجنيه المصري إلى أي عملة أجنبية أخرى. كما أنها تستدين منهم بالدولار، عن طريق ودائع دولارية لخمس سنوات مثل مبادرة السيارات، على أن يستردوها بالجنيه المصري بحسب سعر الصرف آنذاك وهو غير معروف إلى حينها...
3. تأثيرات عميقة وملامح عقد اجتماعي جديد؟
تكشف أنماط سياسات النظام المصري تجاه المصريين في الخارج من ناحية، والتقييدات ضد خروج العملات الأجنبية من البلاد من ناحية أخرى، العديد من التأثيرات التي من المرجح أن تتعمق وتتجاوز حدود فترة الأزمة الاقتصادية لآجال أطول، وصولاً إلى المساهمة في صياغة ملامح عقد اجتماعي جديد في مصر.
ونحاول في هذا القسم التركيز على 3 أمثلة لهذه التأثيرات: تصورات الهجرة، وتأثيرات مبادرة السيارات ضمن الصورة الأوسع للتخطيط البيئي والمديني، ونمط متاجرة الدولة كأحد أبرز ملامح العقد الاجتماعي ضمن الجمهورية الجديدة.
‒ هجرة بلا عودة
لطالما كانت الهجرة من مصر، هجرة اضطرارية مؤقتة، بهدف العمل، أو الدراسة، مع بقائها في المخيلة، واستمرارها محطة نهائية للعودة إليها لدى كثير من المصريين في الخارج. إلا أن العديد من التطورات، مثل خيبة الأمل التي تلت الثورة والتدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في مصر قد بدأت بتغيير مثل هذه المعادلة. وهو ما أضحى ملحوظاً، سواء من ناحية بعض المصريين في الخارج، ممن لجأوا إلى تصفية حساباتهم وممتلكاتهم وأعمالهم داخل مصر في الفترة الأخيرة، أو من ناحية الحكومة المصرية، وحملاتها، ومبادراتها، إذ تغير الخطاب التاريخي، الذي كاد يساوي بين الوطنية واستمرار العيش على أرض مصر، وتصوير الهجرة كفعل مشين أقرب إلى الخيانة، وصولا إلى تركيز الحملات الرسمية للدولة على التوعية بمخاطر الهجرة غير الرسمية على "قوارب الموت" وتشجيع الهجرة الرسمية. بل وفي مسألة حيوية، مثل تزايد هجرة الأطباء المصريين إلى الخارج، يعلق الرئيس السيسي على هذه الأزمة قائلاً: "الأطباء اللي الناس بتسيبنا عشان تجد فرصة عمل في حتة تانية، عشان عايز يعيش، هو أنا بدّيله مرتب كويس … أنا مش قادر أدّيله مرتب كويس"؟
مثال آخر على هذ التغير ناحية الهجرة، هو أحد البرامج الرئيسية التي يتم تقديمها على إحدى القنوات الفضائية التابعة لمنظومة الأجهزة الأمنية المصرية، يحمل عنوان "مصر تستطيع" ويسافر مقدّم البرنامج إلى العديد من الدول، ويسلط الضوء على تجارب رائدة وناجحة من المصريين في الخارج.
فضلا عن ذلك فإن اتجاه العديد من رجال الأعمال والمبادرات والشركات إلى نقل ملكيتها إلى خارج مصر، كما سبقت الإشارة إليه، هو مؤشر ضمن تغير تصورات الهجرة، وكذلك محاولة تأمين أكبر للأموال وكسب امتيازات تطرحها الدولة بشكل حصري للمصريين في الخارج والأجانب بدرجة أولى.
‒ تأثيرات مبادرة تسهيل استيراد السيارات للمصريين المقيمين في الخارج
من المهم التوقف والتساؤل: ألا يشكل السماح المفاجئ بتسهيل استيراد السيارات لعشرات الآلاف تضارباً مع التوجه العام لسياسة تقليل الازدحام والتلوث والاعتماد بشكل أكبر على وسائل نقل عام صديقة للبيئة، مثل الخط الأخضر (الخط الثالث لمترو القاهرة الكبرى) ومشاريع تحويل حافلات النقل العام في القاهرة والإسكندرية إلى حافلات صديقة للبيئة تعمل بالكهرباء؟
في ظل استمرار توجيه إنفاقات ضخمة من المال العام على مدار عقد كامل نحو إنشاء وتوسعة الطرق وإقامة الكباري (الجسور) وغير ذلك من أعمال البنى التحتية، بدعوى الاستجابة والعمل على تقليل الازدحام والتوسع في شبكات النقل العام من خلال زيادة خطوط مترو القاهرة الكبرى ومشروع تحويل قطار مدينة الإسكندرية الداخلي إلى مترو كهربائي سريع وكذلك مشروع المونوريل في القاهرة الكبرى والعديد من مشروعات النقل العام الأخرى، بما يعكس بعض التخبط، وسوء التخطيط، وعدم التكامل مع سياسة عامة تم السير فيها لقرابة عقد كامل تتسم بالاستثمارات الضخمة في النقل العام الصديق للبيئة. فتأتي مبادرة تسهيل استيراد السيارات بدافع تدبير نقد أجنبي كمحاولة لسد العجز في احتياطي العملات الأجنبية لسداد أقساط خدمة الديون المتراكمة، والتي نتجت عن التوسع في النفقات العامة على المشاريع السابقة، لتشكل إضافة محتملة لعشرات الآلاف من السيارات، بما قد يزيد عن 270 ألف سيارة جديدة يتم استيرادها إلى مصر، خصوصاً مع تمديد العمل بالمبادرة في المرحلة الثانية لها لثلاثة أشهر إضافية من نهاية كانون الثاني/يناير إلى آخر نيسان/أبريل 2024، وكان عدد المسجلين بها من المصريين في الخارج، وفقاً لوزارة المالية، قد تجاوز 452283 في 29 كانون الثاني/يناير 2024. وليس من الصعب تصور الضغوط الكبيرة التي ستضيفها الأزمة المستمرة في المرور والتلوث، وستتلاشى سريعاً جدوى التوسُّعات التي تمت ليعود الازدحام والتلوث سيد الموقف، ناهيك عن الديون المتراكمة التي أُخذت بدعوى تنفيذ مشاريع توسعة الطرق، إضافة إلى الودائع التي ألزمت الدولة نفسها على سدادها للمصريين في الخارج ضمن تلك المبادرة عند الاستحقاق.
‒ الدولة كتاجر... نموذج جديد للعقد الاجتماعي
على مدى عقود تمثل نموذج العقد الاجتماعي لدولة ضباط تموز/يوليو 1952 بعد الإطاحة بالنظام الملكي وتأسيس جمهورية الضباط في مصر في احتكار السياسة للضباط، مقابل قيام الدولة بتوفير الرعاية الاجتماعية، واعتماد مبادئ مثل مجانية التعليم، والتأمين الصحي للجميع، وتحمّلها مسؤولية تشغيل عشرات الآلاف من خريجي الجامعات كل عام.
ومع تآكل هذا النموذج، وانسحاب الدولة المستمر من العديد من هذه الأدوار، وتفاقم آثار سياسات الإفقار، ليتخطى عدد الفقراء أكثر من ثلث سكان البلاد، وفقاً للإحصاءات الرسمية بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، إذ رصد ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5 في المئة من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8 في المئة لعام 2015/ 2016.
وفي المجمل، تطرح العروض التي تقدمها الحكومة المصرية بهدف جذب مدخرات المصريين في الخارج، جنباً إلى جنب مع العديد من السياسات والممارسات التي تقوم بها في الداخل، والتي تعكس بروز أنماط تسليع وإتجار أراضٍ ومساحات عامة، سواء عن طريق بيع الأصول العامة أو حقوق الانتفاع بها لسنوات طويلة. تطرح في مجملها ملامح عقد اجتماعي جديد قد يكون هو الشعار الرئيسي لما يسميه الرئيس السيسي وإعلامه وأجهزته بـ"الجمهورية الجديدة". فقد صرّح السيسي بشكل واضح رداً على ما وصفه بـ"الدول اللي بتقول إنتم ليه مبتدّوش حقوق للناس" قائلا "حقوق إيه... أنا مش لاقي آكل ولا عارف أعلّم ولا أعالج ولا أسكن ولا أشغّل" وذلك أثناء مشاركته في إطلاق المشروع القومي للأسرة المصرية في شباط/فبراير 2022.
وبعد مواجهة وإسكات حملات رفض التجنيد الإجباري بعد ثورة 2011، ومحاولة ترسيخ ربط التجنيد الإجباري بالوطنية والمواطنة، ورفضه بالخيانة، تأتي مبادرة تسوية الموقف التجنيدي للمصريين في الخارج لتطرح أسئلة من قبيل هل من المساواة بين المواطنين إعفاء بعضهم من أداء خدمة التجنيد العسكرية مقابل بضعة آلاف من الدولارات، بينما يتم إجبار ملايين المصريين في الداخل عليها؟ ومن يقدر أصلا على دفع مثل هذا المبلغ، إلا إذا كانت حالته ميسورة مادياً، من الطبقة الوسطى العليا، وأعلى، في الغالب. وبالتالي ألا يكرس مثل هذا القرار المزيد من التمييز الطبقي، والتمييز بين المصريين في الداخل والمصريين في الخارج، خاصة وأن وضع هؤلاء هو عادة أفضل نسبياً، في مسألة لطالما ربطها الخطاب الرسمي بالوطنية، ووصم الممتنعين عن أدائها، بأنهم متهربون، وتنقصهم الوطنية، حتى لو انتهى الأمر بهذه الخدمة الوطنية، بالوقوف كمحصّل للتذاكر في إحدى الطرق السريعة، أو عامل في إحدى محطات الوقود التابعة للمؤسسة العسكرية.
وإن كانت مبادرة تسوية الموقف التجنيدي قد تعود على النظام بحصيلة دولارية مستهدفة، إلا أنها قد تترك تداعيات وتأثيرات عميقة وطويلة المدى في واحدة من أهم أسس ومعالم العقد الاجتماعي المتآكل في مصر، وهي الجندية كركن أساسي يقوم عليه الجيش المصري. فهل الآن تتم التجارة في واحدة من ركائز مفهوم المواطنة في مصر (التجنيد/الجيش) من أجل العملة الأجنبية؟ هل هذا ما تريده الدولة؟
يستدعي كل هذا تساؤلات حول آثار وانعكاسات مثل هذا التغير. إذ شهدت مصر منذ اندلاع ثورة كانون الثاني/يناير 2011 اهتماماً متزايداً بدمج المصريين في الخارج في عملية التغيير السياسي، وإقرار حقوقهم، مثل حقوق المشاركة السياسية، من اقتراع وتصويت عام للمرة الأولى في تاريخ البلاد الحديث، وكذلك استحداث وزارة جديدة تختص بـ"الهجرة وشؤون المصريين في الخارج". إلا أن كل هذا الاهتمام الشكلي من الناحية السياسية، لا يزال يقف عاجزاً عن التعامل مع بعض الأسئلة المشروعة مثل مدى شفافية وتشاركية إقرار الموازنات العامة، والرقابة على المال العام. تطبيقاً لمقولة No Taxation Without Representation وهي المقولة التي تعود أصولها إلى شعار رُفع إبّان الثورة الأمريكية. إذاً هل يشارك المصريون في الخارج في تقرير المصير؟ أم تطالبهم الحكومة بالمشاركة في دفع فوائد الديون التي تضعها على أعناق المصريين؟
حتى الآن، يبدو أن الحق في الشفافية والرقابة على المال العام في مصر هو حق تكتنفه العديد من التحديات والتضييقات، سواء للمصريين في الداخل، أو في الخارج. لكن مع تزايد ضغوط تأثيرات الأزمة الاقتصادية في مصر، وعلى رأسها أزمة الديون الضخمة ذات المستويات التاريخية غير المسبوقة. فإن الخطاب الرسمي للحكومة المصرية وتقديم مبادرات وعروض متزايدة للمصريين في الخارج، يظهر بشكل جليّ القوة الكبيرة التي تشكلها تحويلاتهم كجزء من المصادر الرئيسية للتدفقات النقدية الأجنبية في مصر.
يمكن أن تساهم هذه المؤشرات في المستقبل القريب في قيام بعض المبادرات من المصريين في الخارج في طرح مزيد من المطالب بخصوص الشفافية والإفصاح، ومشاركة شعبية أكبر في تحديد أوجه إنفاق المال العام. وهو ما قد تترتب عليه إعادة تشكيل ملامح العقد الاجتماعي في مصر، إذ شهدت العقود الأخيرة أنماطاً متزايدة من تخلي الدولة عن أدوارها المعهودة في رعاية ملايين من المصريين، ضمن علاقة الزبائنية السياسية، من توفير مساكن اقتصادية، وتوظيف في الجهاز الحكومي الضخم والمتشعب، وصولاً إلى الغذاء والوقود المدعوم، من تموين وغيره. وهو ما شهد خلال العقد الماضي تراجعاً كبيراً من قبل النظام المصري في الوفاء به، بالنسبة إلى المعدلات السابقة. تحولت الآن هذه العلاقة الزبائنية والرعائية إلى المصريين في الخارج بشكل أكبر، وتزايد الاعتماد عليهم.
الخاتمة
تضاعفت أعداد المصريين في الخارج في عقد كامل 2013 - 2023، وتزايدت أهمية تحويلاتهم المالية إلى مصر، وفي حين يسلّط الضوء بشكل مكثف في العديد من الصحف والمواقع الإعلامية المصرية الرسمية أو المحسوبة على النظام المصري، على تراجع إجمالي قيمة تحويلات المصريين في الخارج بنسبة 30.8 في المئة في العام المالي 2022 - 2023 لتصل إلى نحو 22.1 مليار دولار، مقارنة بـ 31.9 مليار دولار في العام السابق. إلا أن التأمل واستقراء المشهد ككل، وليس مجرد هذه الأرقام فقط، قد يعطينا صورة أوضح، ويؤكد على قصور السياسات التي تنبني على الأرقام فقط، وتتجاهل دمج وفهم أصحاب المصالح، وعلى رأسهم هنا المصريون في الخارج أنفسهم.
يتضح من خلال نقاط البحث التي تناولتها الورقة، أن الطفرة غير المسبوقة التي حدثت في 2021 - 2022 ترتبط بدوافع تحويلات العديد من المصريين في الخارج لأصول من مدخراتهم في الخارج، وعودة بعضهم سواء بشكل مؤقت أو نهائي ضمن تداعيات جائحة الكورونا العالمية. وبالتالي فإن أي قياس ينبني على هذه الطفرة لن يكون صالحاً لفهم المشهد بصورة صحيحة.
كما أن مربط الفرس الذي تحاول الورقة أن تشدد عليه هو عامل الثقة، والذي يدور كل من الاقتصاد والسياسة في فلكه، وفي حالة المصريين في الخارج، فإن المبادرات والعروض الحكومية المختلفة التي طرحت خلال 2022 - 2023 ويجري تمديدها، وإعادة طرحها مجدداً في 2024 بالرغم من بعض الفوائد التي اشتملت عليها، إلا أنها تضمنت أيضاً ما يثير ويعزز بعض المخاوف لدى المصريين في الخارج من إمكانية صمود السعر الرسمي لصرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، وكذا حقهم في التحويل من وإلى الجنيه المصري. ويتضح يوماً بعد يوم أن التحويل طريق ذو اتجاه واحد من العملات الأجنبية للجنيه، إذ يواجه التحويل إلى العملات الأجنبية صعوبات كبيرة ومتاح بكميات محدودة للغاية، قد تصل في بعض الحالات لتغيير 100 دولار من البنك للمسافر المصري إلى الخارج، مرة في الشهر كحد أقصى.
ومع تهاوي قيمة الجنيه المصري لأكثر من 400 في المئة ما بين 2016 و2024، وتزايد الدين العام لمستويات غير مسبوقة، فمن المهم والمفترض أن تكون المبادرات والعروض الحكومية التي تهدف إلى جذب تحويلات المصريين في الخارج أكثر تكاملاً مع التوجهات السياسات العامة للدولة. إلا أن هذه المبادرات المختلفة لا تُظهر أي تناسق وتكميل لسياسات الدولة، بل تمشي عكس التوجه الحكومي، كما هو الأمر في قانون تيسير استيراد سيارات المصريين للخارج.
وفي المجمل، فإن الرسالة الرئيسية التي يمكن قراءتها في المبادرات والعروض الحكومية التي تستهدف مدخرات المصريين في الخارج، أنهم قوة اقتصادية كبيرة، تفوق إجمالي التدفقات المالية الأجنبية من كل من السياحة، وقناة السويس، والاستثمارات الأجنبية في البلاد، بما فيها من صفقة رأس الحكمة، التي وصفها رئيس الوزراء بأنها الأضخم في تاريخ مصر. ويبقى السؤال: هل يفلح الجذب والإغراء الاقتصادي فقط، دونما مساحة حراك سياسي، ومزيد من الشفافية والرأي، والمشاركة الشعبية في الرقابة على المال العام، وتوجيه بنود الإنفاق؟ وهل يمكن أن تفتح محنة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إعادة تشكيل عقد اجتماعي جديد في مصر، يعتمد على المشاركة والرقابة الشعبية، والديموقراطية بشكل فعال وجذري؟
https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2024/2/23/2542659
https://www.cabinet.gov.eg/News/Details/41699
https://www.almasryalyoum.com/news/details/2984513
https://mof.gov.eg/ar/posts/media/6
بولين بروكر، "مكانة متطورة وسط الهجرات الدولية" في "أطلس مصر المعاصرة، سيداج، ص 26-27، متاح في
https://books.openedition.org/cedej/5230
https://www.youtube.com/watch?v=3ZQe7DWKcJY
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.